"الاستقرار" غطاء خفي لواقع قاس في سوريا
في سوريا اليوم، أصبح مصطلح « الاستقرار » يُستخدم كغطاء يخفي تحت طياته واقعاً أشد قسوة من الفوضى السابقة. هو ليس سلاماً يُبنى، بل تحنيط للجثث الحية. الدولة تتحدث عن استقرار، والمواطن يعيش يومه وكأنه يدفع ديوناً على أرواح أجياله القادمة. الغلاء يأكل ما تبقى من الراتب، والفرص تُغلق قبل أن تولد، والأمل يُدفن تحت ركام اليوميات. لكن الجريمة الأعمق لا تكمن في الغلاء وحده، بل في ميكانيكا التحنيط التي تُدار بها الحياة.
البيروقراطية الجامدة، والقوانين التي تُكتب كأنها ألواح مقدسة لا تلامس واقع الناس، تحول كل مبادرة فطرية إلى جثة قبل أن تولد. الشاب الذي يريد أن يبني مشروعاً صغيراً يواجه جدراناً من الأوراق والإجراءات، فيصبح الشغف نفسه متهماً بالمخالفة. هذا الاستقرار ليس بناءً ، بل ديوناً على أرواح الأجيال. جيل كامل عاش أربعة عشر عاماً من الجهل القسري والتشرد والانقطاع عن التعليم، ثم جاء «الاستقرار» ليطلب منه أن يصمت ويصبر، وكأن الماضي لم يكن.
هؤلاء الشباب الذين نشأوا في الخيام والركام، وتعلموا أن يعيشوا الموت مئات المرات، يُتركون اليوم على هامش الرؤية الرسمية. تهميش وعيهم وتجاهل تجربتهم هو الجريمة الكبرى التي تُرتكب خلف شعار الأمان إنهم ليسوا مجرد أرقام في إحصاء، بل هم وقود المستقبل الذي يُحرق قبل أن يشتعل.
في هذا الركام، يظل رغيف الخبز بوصلة السيادة الحقيقية الذي يفهم أن قيمة الرغيف ليست في سعره فقط، بل في قدرة المواطن على أن يحصل عليه بكرامة، يدرك أن أي استقرار لا يصل إلى معدة الناس ولا إلى يد الشاب هو استقرار زائف. رصانة المدرسة القديمة التي ننتمي إليها لا تتعارض مع وجع الركام، بل تفرض علينا أن نرى في هذا الوجع بوصلة لأي إصلاح حقيقي.
الاستقرار الحقيقي لا يُبنى التحنيط، بل بالقدرة على مواجهة الوجع وتحويله إلى طاقة بناء. إن ما نحتاجه اليوم ليس صمتاً يُسمى استقراراً، بل ضجيجاً صحياً يُسمى بناء. الوطن ليس جثة لنحافظ عليها، بل جسد حي يحتاج إلى رئة تتنفس الوعي.
يبدأ حين يصبح المواطن شريكاً في رسم المستقبل، لا متفرجاً يدفع ثمنه. نحتاج أن ننتقل من «دولة الأوراق» إلى «دولة الإنسان الشريك» حيث يُحسب صوت المواطن وجهده قبل أن تُكتب أي خطة السوريون صمدوا كثيراً. الآن يريدون أن يشعروا أنهم ليسوا ضحايا لاستقرار مزيف، بل أصحاب مشروع وطني يبنونه بأيديهم . الاستقرار الحقيقي هو الذي يبني المستقبل، لا الذي يستهلك الأجيال.