قرية "الصارخين".. عندما تحكم الأفكار المصائر
في قرية نائية على هامش الحضارة سادت فكرة غريبة مفادها أن ارتفاع الأصوات يساعد على نمو المحاصيل، وكان من المألوف أن ترى المزارعين يصرخون في الحقول دون سبب واضح حتى اشتهرت القرية بـ "قرية الصارخين". ورغم سخرية القرى المجاورة من هذا الطقس العجيب، ظل أهالي "قرية الصارخين" متمسكين بفكرة الصراخ أمام مزروعاتهم، ومع أن محاصيلهم كانت أضعف بكثير من محاصيل غيرهم، إلا أن فكرة الصراخ هذه استمرت تنتقل من جيل إلى جيل واستمر معها تدهور الحياة في القرية جيلا بعد جيل.
هذه القصة الرمزية تختصر حقيقة جوهرية وهي أن "الأفكار السائدة في المجتمعات هي أساس ازدهارها أو تخلفها"، وأي دارس لنشأة الحضارات سيكتشف بسهولة أن الفكر دائما هو القاعدة الصلبة التي يقوم عليها التقدم، ثم تأتي القوة العسكرية، والموارد الاقتصادية، والأنظمة السياسية كعوامل مساندة على طريق النهوض. لذلك لا يمكن لأمة أن تنهض دون منظومة فكرية متماسكة ذات بوصلة واضحة الاتجاهات، والعكس بالعكس فقد اعتبر المؤرخ البريطاني الأشهر "أرنولد توينبي" أن الأمم "لا تُقتل لكنها تنتحر" مؤكدا أن فقدان "المعنى" يؤدي إلى اندثار الحضارات، وهذا المعنى الذي يشير إليه "توينبي" إنما هو ثمرة المنظومة الفكرية التي إن تعطلت أو أصابها الجمود تتلاشى الأفكار والمعاني وتندثر الأمم والحضارات.
وإذا كان هيجل يقول "الأفكار تحكم العالم" فإن شواهد التاريخ تقدم لنا نماذج لا يمكن تجاهلها عن أهمية المنظومة الفكرية في نهوض الأمم وازدهارها، فعندما نهضت أوروبا في عصر التنوير كانت منظومتها الفكرية تقوم على ثلاث ركائز هي "العقل" و "الحرية" و "العلم" وعلى أساس هذه المنظومة انطلقت الثورة الصناعية وفي الولايات المتحدة اختار الآباء المؤسسون "الحرية الفردية" و "حقوق الإنسان" كأساس للمنظومة الفكرية في بلادهم الناشئة. وفي اليابان لا يزال أرشيف البرلمان هناك يحتفظ بصورة مدهشة لبعثة يابانية تقف أمام الأهرامات عام 1862، وقد جاءت هذه البعثة إلى مصر لتستلهم تجربتها في النهوض كجزء من خطة الإمبراطور "ميغي" للبحث عن أسباب التقدم في أنحاء العالم، ثم انتهى الإمبراطور ببناء منظومة فكرية جديدة لبلاده جمعت بين الأصالة والمعاصرة، أي بين الروح اليابانية والعلم الغربي، فأصبحت اليابان قوة عظمى في بضعة عقود.
لا يمكن حصر الأمثلة عن الأمم التي نهضت قديماً وحديثاً دون أن يخلو مثال واحد من وجود منظومة فكرية راسخة. لكن ماذا لو غابت تلك المنظومة الفكرية؟ النتيجة هي التشتت والتبعية أو الموت وفق المقولة المنسوبة إلى الأديب الألماني العظيم "غوتة" وهي " أمة لا تفكر، أمة لا تعيش" ، لكن كيف للأمم أن تفكر ؟، أو كيف يمكن إعادة تشغيل آلة تفكيرها إذا كانت معطلة؟، الجواب المثالي هنا هو "حرية تداول الأفكار" فالأفكار تتفاعل معا وتنتقي بعضها بعضا لتنتج أفضل ما فيها، وفي سبيل ذلك لابد أن يتسع صدر المجتمع لأغرب الأفكار وأكثرها شططا باعتبارها جزء من التفاعلات الضرورية للوصول إلى النتيجة المرجوة أي الرؤية الفكرية الصائبة.
يبقى تهميش الفكر أو محاصرته أو إهمال المنظومة الفكرية أحد الأسباب المؤدية بالضرورة إلى ذات المصير الذي لحق بـ "قرية الصارخين" فبعد أن خربت حقولهم وضاقت معايشهم، اندثرت القرية لتبقى قصتها شاهدة على أهمية الأفكار السائدة في المجتمعات وضرورة نقدها واختيار أصلحها وتغيير ما فسد منها.