إيران: اقتصاد يتشكّل على هامش العقوبات

06 مايو 2026
salmanj52222@gmail.com
سلمى حيدر نجار
تابع الكاتب عبر :

لم يعد السؤال في أسواق طهران يتعلق بسعر السلع وحده، بل بسعر الدولار نفسه: بأي رقم يُتداول اليوم؟ وبأي قيمة يُحتسب الريال؟ هذا السؤال اليومي، الذي يبدو بسيطا في ظاهره، يعكس تحولا أعمق في بنية الاقتصاد الإيراني، حيث لم تعد العملة مجرد وسيلة تبادل، بل مؤشرا مباشرا على الاستقرار أو هشاشة المنظومة الاقتصادية.

خلف هذا المشهد، تتشكل ديناميات اقتصادية جديدة داخل إيران، لا تُقاس قوتها بوفرة الإنتاج بقدر ما تُقاس بقدرتها على التكيّف مع اقتصاد يعيش تحت ضغط عقوبات ممتدة منذ سنوات. لم تقتصر آثار هذه العقوبات على التجارة الخارجية، بل أعادت صياغة البنية الداخلية للاقتصاد بشكل أكثر تعقيدا وتشابكا.

منذ تشديد القيود الدولية، دخل الاقتصاد الإيراني في حالة من عدم الاستقرار المزمن، ترافقت مع ارتفاعات حادة في معدلات التضخم، وتراجع متواصل في قيمة العملة المحلية، وتقييد واسع لقنوات التحويلات المالية والتجارة الخارجية، لكن الأثر الأعمق لم يكن رقميا فقط، بل بنيويا، تمثل في توسع ما يُعرف بـ"الاقتصاد غير الرسمي". 

هذا الاقتصاد لم يعد هامشيا أو محدود التأثير، بل بات جزءا فاعلا من الدورة الاقتصادية اليومية، فمع تضييق القنوات الرسمية، نشأت شبكات بديلة تعتمد على الاستيراد الموازي، والوساطات الإقليمية، وإعادة توزيع السلع خارج الأطر الرسمية.

وتشير تقديرات محللين اقتصاديين إلى أن هذا النمط ليس استثناء في الدول الخاضعة للعقوبات الطويلة، إلا أنه في الحالة الإيرانية اكتسب درجة أعلى من الرسوخ، إلى حد بات فيه الاقتصاد غير الرسمي يتداخل جزئيا مع البنية الاقتصادية الرسمية.

المفارقة أن العقوبات التي كان يُفترض أن تُضعف البنية الاقتصادية، ساهمت في خلق فجوات داخلية أعمق. فبينما تتراجع القدرة الشرائية لشرائح واسعة من المجتمع، تستفيد فئات محدودة من هذه الفجوات عبر الوصول إلى العملات الأجنبية والسلع المستوردة بطرق غير تقليدية.

في المقابل يواجه المواطن الإيراني تداعيات مباشرة لهذا التحول: ارتفاع مستمر في الأسعار، تآكل في القدرة على الادخار، وتراجع في الثقة بالعملة المحلية كوسيلة مستقرة للتبادل. ومع استمرار تقلبات سعر الصرف، يتجه كثيرون إلى الذهب أو العملات الأجنبية كملاذات بديلة، ما يزيد الضغط على السوق المحلية ويعمّق حالة عدم الاستقرار.

هذا التحول لا يعكس أزمة نقدية فقط، بل يشير أيضا إلى تغيّر في السلوك الاقتصادي اليومي داخل المجتمع، حيث يصبح الدولار معيارا عمليا في التسعير والمعاملات، وتفقد العملة المحلية تدريجيا جزءا من وظيفتها الأساسية في الاقتصاد.

على المستوى الكلي لا يمكن قراءة الاقتصاد الإيراني بمعزل عن العقوبات، لكن الأهم أن هذه البيئة لم تُنتج اقتصادا متعثرا فقط، بل اقتصادا متحوّلا يعيد توزيع الثروة عبر آليات غير تقليدية، ويعيد رسم العلاقة بين الرسمي وغير الرسمي. وهكذا، لا تبدو الأزمة الاقتصادية في إيران مجرد نتيجة لضغوط خارجية، بل عملية إعادة تشكيل داخلية معقدة، تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد، وغير الرسمي بالرسمي، والاستثناء بالقاعدة.

وفي سياق متصل، يشير مراقبون إلى أن توسع الاقتصاد غير الرسمي لم يعد يقتصر على الداخل الإيراني، بل امتد ليشمل شبكات إقليمية عابرة للحدود، تسهّل عمليات الاستيراد والتمويل خارج القنوات المصرفية التقليدية. هذا التشابك الإقليمي عزّز قدرة بعض الفاعلين الاقتصاديين على تجاوز القيود لكنه في المقابل عمّق هشاشة النظام النقدي الرسمي، وأضعف قدرة الدولة على ضبط حركة النقد الأجنبي بشكل كامل.

كما انعكس هذا التحول على المستوى الاجتماعي، حيث باتت قرارات الأفراد الاقتصادية أكثر ارتباطا بسعر الصرف اليومي، ما أدى إلى إعادة تشكيل أنماط الاستهلاك والادخار داخل الأسر. ولم تعد القرارات المالية تُبنى على المدى الطويل، بل على توقعات قصيرة المدى مرتبطة بتقلبات السوق، وهو ما يعكس حالة من انعدام اليقين الاقتصادي الممتد في ظل هذا المشهد الاقتصادي المركب والمتغير. ويبقى السؤال مفتوحا: إلى أي مدى يمكن للاقتصاد أن يتكيّف قبل أن يفقد ملامحه الأصلية.