ما هو المجتمع الدولي حقاً؟
ذات مرة، نشر من يعرّف نفسه باسم "أبو وسيم" على منصة "إكس" خريطة تظهر أوروبا وأمريكا الشمالية (ناقص المكسيك) وأستراليا، وكتب معها "هذا هو المجتمع الدولي الذي تسمعون عنه دائماً، يجب أن يتغير الآن".
وأبو وسيم هذا ليس عربياً، لكنه يعرف العربية أو الثقافة العربية وبلاد العرب جيداً، إنه دبلوماسي صيني يحمل حساباً موثقاً على "إكس"، ويقول إن اسمه تشاو يي، وكان القصد من التغريدة كلها نقد الاستخدام الغربي لمصطلح المجتمع الدولي.
بحسب الدبلوماسي الصيني، فالمصطلح المقصود هنا يستخدم في وسائل الإعلام لإظهار أن أصحاب الكلمة السائدة في العالم هم الغربيون دون غيرهم.
ربما يكون مصطلح "المجتمع الدولي" من أكثر المصطلحات التي فقدت قيمتها لفرط استخدامها في وسائل الإعلام وخطابات السياسيين والدبلوماسيين وحتى العامة، وربما يثير سماعه السخرية لدى البعض.
وبالطبع، نحن لا نعيد اختراع العجلة عندما نسأل عن المجتمع الدولي، فقد أشبع الموضوع بحثاً، فمثلاً موسوعة "ويكيبيديا" تقول إنه "مصطلح جيوسياسي يشير إلى مجموعة واسعة من حكومات وشعوب العالم التي تتفاعل في النظام الدولي"، أما قاموس "كامبريدج" فيعرّفه على أنه "دول العالم التي تُعتبر أو تتصرف معاً كمجموعة".
في المقابل، دول العالم لا تتصرف كمجموعة واحدة، فحتى الاتحاد الأوروبي الذي يعد من أبرز نماذج التكامل في العالم يشهد انقسامات، فشتان بين موقفي ألمانيا وإسبانيا من القضية الفلسطينية.
ومن المبادئ الأولى التي تعلمناها في العلوم السياسية هي حالة الفوضى التي تسود العلاقات الدولية، فلا توجد سلطة فوق سلطة الدول، وكل الهيئات والمواثيق الدولية لا تملك القوة الجبرية، ما عدا استثناءات قليلة، مثل البند السابع الذي لا يفعّل إلا لخدمة القوى الكبرى ومصالحها.
ومع ذلك، فإن لهذا المصطلح أهمية بالغة قد يجهلها البعض، فالدول عندما تعجز أو لا ترغب في فعل شيء تطالب المجتمع الدولي بفعله، لكن من هو المجتمع الدولي المقصود بالبيانات والتصريحات؟ لا أحد يعلم. قد تنظر جهة دولية إلى الأخرى على أنها المعنية بالأمر وليست هي نفسها، وعلينا كصحفيين وجمهور أن نسأل المتحدث، أياً كان، ما الذي يعنيه بالمجتمع الدولي تحديداً؟ لأنه قد يكون مثل بعض المثقفين العرب الذين يستخدمون مصطلح الحداثة ويقصدون فيه شيئاً آخر غير الذي نعرفه.
إن مصطلح المجتمع الدولي مصطلح هلامي يجنب الدول اتخاذ قرارات صعبة ويجنبها أيضاً الدخول في معارك دبلوماسية أو إعلامية مع دول أخرى، فأنت تطالب شيئاً لا روح له ولا هوية واضحة. باختصار، المصطلح مخرج للإحراج ولذلك له فائدة، وإن كانت محدودة.
وفي حال أرادت الدول حل الأزمة وامتلكت القدرة والرغبة في ذلك، فإنها لا تستخدم هذا المصطلح بل تستعين بشيء آخر هو القوة وأوراق الضغط التي تمتلكها، وعلى سبيل المثال، نادراً ما يستخدم الرئيس الأمريكي، دونالد ترمب، مصطلح "المجتمع الدولي"، فهو يعتمد أولاً وأخيراً على القوة، ولا يحترم سوى الأقوياء، وشعاره "أمريكا أولاً" الذي يعني بشكل أو بآخر التركيز على مصلحة واشنطن عوضاً عن التعاون الدولي الجماعي، ولعل أبرز سياساته الحمائية وفرض الرسوم الجمركية، التي تنسف فكرة العولمة وإزالة الحواجز من أساسها، وكان الرؤساء الأمريكيون قبل ترامب يستخدمون مصطلح "العالم الحر".
حاول الأمين العام الراحل للأمم المتحدة، كوفي عنان، الدفاع عن مصطلح "المجتمع الدولي"، وكتب مقالاً ما زال منشورا على موقع الأمم المتحدة، ومما جاء فيه: "يقول بعض الناس إن المجتمع الدولي مجرد وهم. ويقول آخرون إن هذا المفهوم مرن إلى درجة مفرطة بحيث يفقد أي معنى حقيقي. أعتقد أن هؤلاء المتشككين مخطئون. فالمجتمع الدولي موجود بالفعل، وله إنجازات تُحسب له".
وذكر: "عندما نشهد تدفقاً كبيراً للمساعدات الدولية إلى ضحايا الزلازل في تركيا واليونان، وقد جاء الكثير منها من دول لا تربطها بتركيا واليونان صلة ظاهرة سوى الشعور بالإنسانية المشتركة، فإن ذلك يعكس اندفاع المجتمع الدولي بدافع إنساني".
مع التقدير لهذا الرأي والدوافع النبيلة في مد يد العون للمتضررين من الكوارث، فإن الصورة كاملة مختلفة بعض الشيء، فالمساعدات الدولية جزء من الدبلوماسية وبناء صورة إيجابية عن الدولة، علاوة على أنها فرصة اقتصادية بين الحكومات والمتعاقدين، ويصل الأمر إلى إكساب فرق الإنقاذ خبرات من المشاركة في هذه المهمات، الأصل هو المصلحة.
الأقوياء لم يحترموا المحكمة الجنائية الدولية، وهي إحدى أوجه المجتمع الدولي إن صح التعبير، وقيل الكثير في نقدها، وقيل أكثر في العقوبات التي تعرضت لها فقط بعد أن طالبت باعتقال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ووزير جيشه السابق، يوآف غالانت.
وبالطبع، حال العالم أفضل قليلاً مما جرى من حروب منذ فجر التاريخ حتى الحرب العالمية الثانية، إذ لم تكن هناك جهات وآليات دولية لحل النزاعات فاعلة، فوجود الأمم المتحدة على سوء حالها والقانون الدولي وغيرهما خففا من وطأة النزاعات، وبرزت أطراف محايدة ومنصات بعد أن كانت الحرب وسيلة البشر الأساسية لحل النزاعات، لكن تظل المصلحة هي المحرك الأساسي للدول، هناك مدرسة في العلاقات الدولية اسمها "الواقعية"، وبكلمة أكثر بساطة "القوة"، وبكلمة أكثر قساوة "قانون الغاب".