الساخرون والكتابة الساخرة

15 August 2026
jawadhamz@hotmail.com
جواد حمزة
تابع الكاتب عبر :

لن أبدأ المقال بداية خشبية تقليدية ساذجة أشرح فيها ماهية الكتابة الساخرة، فيكفي عزيزي القارئ أن تضرب الصوت على الإنترنت مستعيناً به حتى تتقاطر أمام ناظريك متصفحات البحث وأنظمة الذكاء الاصطناعي لتفرغ ما عندها حول هذا اللون من الكتابة. أريد التساؤل بفجاجة مباشرة: هل لا زالت الكتابة الساخرة حاضرة في أدبنا العربي؟ أم ذوت تحت وطأة أطنان من تفاهات لوثت ذائقتنا؟. في الحقيقة لا أعرف إجابةً لهذا السؤال وإن كنت أنا السائل، فالجواب يرجو بحثاً مرهقاً في عصر لا أملك فيه رفاهية الوقت حتى للنوم مستغرقاً في أحلام وردية. 

معرفتنا برواد هذا اللون توقفت عند القدامى منهم، المازني، محمود السعدني، غازي القصيبي، وقلة غيرهم، أما اليوم فالنص الساخر الذي نتعثر فيه صدفة ليس إلا ابتذالا لغويا منمقا، وليس نصاً ساخراً، وفي الغالب يكون طافحاً بالأخطاء اللغوية، وهزيل الفكرة والهدف، مثله كمثل نكتة تُروى فتضحكنا قليلاً، ثم تغدو نسياً منسياً لا تحرك فينا غير شفاه يابسة تبتسم، وبعد حين تُمحى حتى تلك الابتسامة. 

الكتابة الساخرة ليست للإضحاك فقط، بل للإبكاء أيضاً، وما أجمل من شعور يراودك وأنت تقرأ حائراً بين الألم والابتسام؟، إنه مثل ذلك الإحساس الذي يعترينا حين نرى رسماً كاريكاتيرياً، أو مشهداً سينمائياً كوميدياً، ومن قال إن الحرف لا يبدع أجمل المشاهد والرسومات إن خطه قلم ماهر.

إنها الكوميديا السوداء تلك التي تشرّح واقعنا (بتشديد الراء)، تفضحه، تعريه، وتغرس فينا بذور الرفض، لعلّ أحدنا إن قرأ وكان قادراً على التغيير أن يفعل شيئاً ويغير، أو علنا نحن غير القادرين على التغيير أن نقول على الأقل كلمة (لا)، فهذا أضعف الإيمان. 

عودة إلى تساؤلي، اختلط حابل اللغة العربية بنابلها اليوم، الكل يكتب وينظر ويسرد سرديات طويلة، فكيف لي أن أعرف الجواب؟، كيف لي أن أقرأ الملايين لأعرف إن كانت الكتابة الساخرة حية تنبض؟، واكتشف إن كان لها أقلام مُستلّة أم لا؟.

أعرف شيئاً واحداً هو الأهم من جواب تساؤلي، أو حتى من تساؤلي نفسه، أعرف أن هذا اللون من الكتابة لا زال له جمهور عريض متعطش ومتحمس ومترقب ومتذوق. جمهور يمتص كل حرف إن كُتب ساخراً ويقدّر كل حرف إن خُطّ ساحراً، وأكاد أجزم أن ثمة من يكتب متقناً هذا اللون الفريد.

 هؤلاء هم من يستحقون الدعم اليوم، لا جيش المنظرين والمحللين والمخططين والسياسيين والمتحذلقين، وكل الأنظمة الذكية التي تصنع المحتوى اليوم ستظل عاجزة عن إنتاج نص ساخر واحد محكم، تلك الأنظمة التي غدا البعض يستخدمها ليكتب مقالاً، والمضحك أنه يذيل المقال باسمه ملحوقاً بكلمة (الكاتب). 

لا يا عزيزي المستعين بالأنظمة الذكية، أنت لست الكاتب بل هي التي وإن استفحل ذكاؤها مع تطورها، تبقى غبية ولن تفهم كيف تُكتب السخرية، وستعجز عن إنتاج مقال ساخر واحد، وهذا تحد لمن يقبل التحدي. 

كي لا أطيل أكثر، وأنا الذي يحب الإطالة فيما أكتب، أتمنى أن تعمل المنصات الإعلامية على إحياء هذا اللون الجميل، وأن تبحث عن الأقلام الساخرة التي تبكي المتلقي وتضحكه في آن واحد، هذه الأقلام موجودة حتماً، وما تحتاجه فقط دعوة كريمة لتظهر وتنشر على نطاق واسع، لعلي ذات يوم أقرأ لها وأجد الجواب على التساؤل الذي عنونت به مقالتي. 

هل نجد منصات صاغية؟ مرة ثانية لا أعرف الجواب.