حضرموت والنفط: اختبار القرار والتنمية
حين صدّرت حضرموت أول شحنة نفط في عام 2017، لم يكن الحدث اقتصاديًا فحسب، بل كان لحظة سياسية وتنموية مفصلية، بدت معها حضرموت وكأنها تقترب من امتلاك مفاتيح قرارها. كان النفط، في تلك اللحظة، أكثر من مورد مالي؛ كان فرصة لإعادة تعريف العلاقة بين الموارد والسلطة، وبين الإمكانات والواقع.
لكن ما حدث خلال السنوات الممتدة حتى توقف التصدير في 2022، يطرح سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن لمورد بهذه الأهمية أن يمر دون أن يترك أثرًا عميقًا ومستدامًا في حياة الناس؟
الواقع أن حضرموت لم تخسر النفط حين توقف تصديره، بل خسرت قبله فرصة نادرة لإعادة البناء. فقد كانت تلك السنوات كافية، نظريًا، لإحداث تحول ملموس في قطاعات حيوية مثل الكهرباء والمياه والبنية التحتية، بل وحتى لوضع أساس اقتصادي يخفف من الاعتماد على مورد واحد. غير أن ما جرى كان أقرب إلى إدارة ظرفية للموارد، حيث غابت الرؤية بعيدة المدى، وتقدمت المعالجات الآنية على حساب التخطيط الاستراتيجي.
لم تكن المشكلة في قلة الموارد، بل في غياب نموذج واضح لإدارتها. لم تُبنَ مؤسسات قادرة على استيعاب العائدات وتحويلها إلى مشاريع مستدامة، ولم تُرسم أولويات تنموية حاسمة تعكس احتياجات المجتمع. وهكذا، تلاشت فرصة أن تتحول عائدات النفط إلى رافعة حقيقية للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
ومع توقف التصدير في 2022، ظهرت هشاشة هذا الواقع بشكل أكثر وضوحًا. لم يكن التوقف مجرد أزمة طارئة، بل كشف عن فراغ بنيوي في إدارة الموارد، وعن اعتماد شبه كامل على تدفقات غير مضمونة. ثم جاءت أزمة محروقات "بترومسيلة" لتضيف طبقة جديدة من التعقيد، خصوصًا في قطاع الكهرباء، الذي تحوّل إلى مرآة تعكس عمق الاختلالات أكثر من كونه مجرد خدمة متعثرة.
في هذا السياق، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل كانت حضرموت تفتقر إلى الإمكانات، أم إلى القرار؟
الإجابة، على الأرجح، تكمن في فجوة بين الاثنين. فالمحافظة لا تفتقر إلى الموارد ولا إلى الموقع الاستراتيجي ولا إلى الكفاءات البشرية، لكنها ظلت بحاجة إلى إطار إداري وتنموي قادر على توظيف هذه العناصر ضمن رؤية واضحة ومتماسكة.
المفارقة أن ما ضاع لم يكن مستحيلًا تحقيقه. كان بالإمكان، خلال فترة التصدير، إنشاء أدوات مالية محلية، أو إطلاق مشاريع استراتيجية في الطاقة والبنية التحتية، أو حتى بناء نموذج إداري يمنح حضرموت مساحة أوسع في اتخاذ القرار التنموي. لكن تلك الفرص، في معظمها، بقيت في حدود الممكن النظري، دون أن تتحول إلى واقع ملموس.
ومع ذلك، لا يزال الباب مفتوحًا. فالتجارب غير المكتملة، مهما بدت مكلفة، تحمل في طياتها دروسًا لا يمكن تجاهلها. وحضرموت اليوم أمام مفترق طريق: إما أن تبقى أسيرة نمط إدارة الفرص الذي أضاع سنوات النفط، أو أن تتجه نحو مراجعة جادة تعيد ترتيب الأولويات، وتؤسس لمرحلة مختلفة.
إن استعادة المسار لا تتطلب معجزات، بل تبدأ بخطوات واضحة: إدارة شفافة للموارد، تحديد أولويات تنموية قابلة للقياس، إشراك المجتمع في صياغة القرار، والعمل على تنويع الاقتصاد بما يقلل من الاعتماد على النفط. فالتنمية ليست نتاج وفرة الموارد فقط، بل نتيجة حسن إدارتها.
في النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم لماذا ضاعت الفرصة، بل كيف يمكن منع تكرار ضياعها. فحضرموت لا تحتاج إلى فرصة جديدة بقدر ما تحتاج إلى طريقة مختلفة في التعامل مع الفرص حين تأتي.