حين لا يُمنع الحلال بل يُعاد تعريفه

24 April 2026
esalfaifi@gmail.com
عيسى بن سلمان علي الفيفي
تابع الكاتب عبر :

في 17 ديسمبر 2020، أصدرت محكمة العدل الأوروبية حكمها في القضية C-336/19، في قرار لم يكن تقنياً بقدر ما كان كاشفاً لتحوّل أعمق في طريقة تنظيم العلاقة بين حرية الممارسة الدينية ومتطلبات الرفق بالحيوان داخل الاتحاد الأوروبي. لم يلغِ الحكم الذبح الديني صراحة، لكنه منح الدول الأعضاء مساحة أوسع لتقييده عبر اشتراط التخدير المسبق، بما في ذلك ما يُعرف بالتخدير القابل للعكس.

لفهم هذا التحوّل، لا يكفي النظر إلى الحكم وحده، بل يجب العودة إلى البنية القانونية التي مهّدت له. تقوم لائحة الاتحاد الأوروبي EC 1099/2009 على نموذج ثلاثي: قاعدة عامة تفرض التخدير قبل الذبح، واستثناء ديني يسمح بممارسات الذبح الطقوسي، وهامش وطني يمنح الدول سلطة تنظيم هذا الاستثناء أو تضييقه. هذه البنية التي بدت في حينها محاولة للتوفيق بين متطلبات الرفق بالحيوان وحرية الدين، حملت في داخلها إمكانية إعادة تفسير التوازن نفسه لاحقاً.

هذا ما حدث فعلاً، ففي عامي 2017 و2018، تبنّت منطقتا فلاندرز ووالونيا في بلجيكا قوانين تُلزم بالتخدير المسبق، ما أدى عملياً إلى إلغاء إمكانية الذبح دون تخدير، رغم بقاء الاستثناء الديني في النص الأوروبي العام. لم يكن ذلك خروجاً على القانون الأوروبي، بل استخداماً مباشراً للهامش الوطني الذي أتاحته اللائحة نفسها. ومع الطعن في هذه القوانين، وصل النزاع إلى محكمة العدل الأوروبية، التي وجدت نفسها أمام سؤال جوهري: هل يمكن تقييد الاستثناء الديني باسم الرفق بالحيوان دون انتهاك حرية الدين؟

إجابة المحكمة كانت حاسمة، لكنها دقيقة في صياغتها. فهي لم تُلغِ الاستثناء، ولم تعلن عدم مشروعيته، لكنها اعتبرت أن فرض التخدير القابل للعكس يمكن أن يُعدّ توازناً مشروعاً بين القيم المتنافسة، طالما أنه لا يؤدي إلى قتل الحيوان قبل الذبح. بهذا المعنى تحوّل الاستثناء الديني من حقّ واسع قابل للتطبيق المباشر إلى استثناء مقيّد بشروط تقنية وقانونية تحددها الدول.

هذا التحوّل يفتح باباً لفهم أعمق لطبيعة التشريعات الأوروبية. فالقانون هنا لا يعمل عبر المنع الصريح دائماً، بل عبر إعادة تعريف شروط الإمكان. بمعنى آخر، لا يُلغى الحق، بل يُعاد تشكيله بحيث يصبح تطبيقه أكثر صعوبة أو أكثر ارتباطاً بشروط خارجية. وهذا ما يجعل النقاش حول الذبح الحلال في أوروبا يتجاوز ثنائية السماح أو المنع، ليدخل في منطقة أكثر تعقيداً تتعلق بحدود التطبيق الفعلي للحق.

من زاوية قانونية، يمكن قراءة الحكم باعتباره تأكيداً على مبدأ "التناسب"، أي محاولة تحقيق توازن بين مصلحتين: حماية الحيوان من جهة، وضمان حرية الدين من جهة أخرى. لكن الإشكال لا يكمن في المبدأ نفسه، بل في كيفية ترجمته عملياً. فعندما يُمنح للدول هامش واسع لتحديد هذا التوازن، تختلف النتائج من بلد إلى آخر، وقد يتحول الحق إلى مسألة جغرافية أكثر منه مبدأ قانونياً ثابتاً.

كما أن إدخال مفاهيم علمية وتقنية مثل فعالية التخدير أو درجة معاناة الحيوان، في صلب النقاش القانوني، يضيف طبقة أخرى من التعقيد. فهذه المفاهيم ليست دائماً محل إجماع علمي، ومع ذلك تُستخدم كأساس لتقييد ممارسات دينية لها امتداد تاريخي طويل. وهنا يظهر سؤال غير معلن: من يملك سلطة تعريف الطريقة الأكثر رحمة؟ وهل هو سؤال علمي بحت، أم أنه يتأثر أيضاً بالسياقات الثقافية والسياسية؟

اللافت أن هذا التحوّل لم يأتِ عبر مواجهة مباشرة مع الدين، بل عبر خطاب أخلاقي يبدو في ظاهره محايداً، هو خطاب الرفق بالحيوان. وهذا ما يمنح التشريعات الجديدة قوة إضافية، لأنها لا تُقدَّم كقيود على الدين، بل كتحسين لمعايير أخلاقية عامة. غير أن هذا الخطاب نفسه قد يُستخدم بانتقائية، أو يُطبَّق بصرامة أكبر في سياقات دون أخرى، وهو ما يثير تساؤلات حول اتساق تطبيق المعايير.

في هذا السياق، يصبح الحكم الأوروبي جزءاً من مسار أوسع، لا يتعلق فقط بالذبح الحلال، بل بإعادة تعريف موقع الدين في المجال العام الأوروبي. فبدلاً من نموذج يسمح بالاستثناءات الدينية ضمن إطار قانوني عام، نرى تحوّلاً تدريجياً نحو نموذج يطالب هذه الاستثناءات بالتكيّف مع معايير تُعرَّف خارجها. وهذا لا يعني بالضرورة إقصاء الدين، لكنه يعيد رسم حدوده بطريقة أكثر تقييداً.

السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس ما إذا كان الذبح الحلال سيُمنع في أوروبا، بل إلى أي مدى سيظل قابلاً للممارسة بصيغته الأصلية. فالفارق بين وجود الحق نظرياً وإمكانية ممارسته فعلياً قد يتسع مع مرور الوقت، خاصة إذا استمرت الدول في استخدام الهامش المتاح لها لتشديد القيود.

من هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الحكم كعلامة على تحوّل في الفلسفة القانونية نفسها: من حماية الحقوق بصيغتها المباشرة، إلى إدارتها ضمن منظومة توازنات متغيرة. وفي مثل هذه المنظومات، لا يُلغى الحق، بل يُعاد تعريفه باستمرار.

في النهاية، لا يتعلق الجدل الأوروبي حول الذبح الحلال بسؤال تقني حول طريقة الذبح فقط، بل بسؤال أعمق: كيف تُدار التعددية الدينية في مجتمع حديث يوازن بين قيم متباينة؟ الحكم الصادر في 2020 لا يقدّم إجابة نهائية، لكنه يكشف اتجاها في المسار تتحول فيه الحقوق من مساحات ثابتة إلى مجالات تفاوض مستمر. وهذا ما يجعل النقاش مفتوحاً. ليس فقط حول الذبح الحلال، بل حول طبيعة التوازن ذاته: من يحدده، وكيف يُطبَّق، ومن يدفع ثمن إعادة تعريفه.