امرأة تسقط ووطن ينهض بصعوبة
في صباحٍ عادي، بينما أسلك طريقي المعتاد إلى العمل، سبقتني امرأة تبدو في أواخر الأربعينيات. كانت خطواتها سريعة، متعثرة أحياناً، كأنها تسابق الزمن للحاق بموعد ما. كل شيء فيها كان ينطق بالفقر: ملابسها البسيطة، ملامحها المرهقة، وعيناها المشغولتان بشيء أبعد من الطريق. لم يكن الشارع ممهداً؛ حجارة بارزة وحفر صغيرة تجعل السير فيه مغامرة يومية. فجأة تعثرت قدمها بحجر وسقطت على وجهها.
لم يكن السقوط قاسيا في ظاهره، لكن ما أعقبه كان أقسى: جلست تبكي. كان بكاؤها أكبر من لحظة ألم عابر؛ بدا أقرب إلى بكاء على حالها، على سنوات من الشقاء والخذلان، على واقع يثقل الروح أكثر مما يثقل الجسد، وربما أيضا تبكي أوطانا صغيرة داخلها.
تخيلتُ أنها في طريقها إلى عمل يومي يمنحها جنيهات قليلة تعلم مسبقا أنها لا تكفي لسد رمق أطفالها، وربما تدرك أيضا أنهم سينامون جائعين رغم محاولتها. ومع ذلك تسابق الزمن. تسقط وتبكي، لكنها تحاول.
المشهد لم يكن مجرد حكاية شخصية، بل مرآة لواقعِ اجتماعي أكبر، ملايين النساء في بلادنا يتحملن العبء الأكبر من الفقر، ويقمن بدور العمود الفقري للأسر المهددة دوما بالإنكسار، ينهض عليهن صبر المجتمع ذاته، وهن في الوقت نفسه الأكثر تعرضا للتهميش.
في بلد تشير تقديرات البنك الدولي للعام 2025 إلى أن نحو ثلث سكانه، 33.5 في المئة، يعيشون تحت خط الفقر، لا تُقاس المعاناة بالأرقام وحدها. تلك المرأة لم تكن مجرد عابرة سبيل سقطت في شارع غير ممهد، بل صورة مصغّرة لملايين القصص الصامتة: أم تقسم الخبز بين أبنائها، شاب يعمل بلا أمل في مستقبل كريم، وشيخ يكتفي بالنظر إلى الأسواق من بعيد كأنها عالم آخر.
سقوط تلك المرأة لم يكن حادثا عابراً، بل رمزا لانكسارات يومية يعيشها فقراء كثر. لكن الأهم أنها نهضت. مسحت دموعها، وأكملت طريقها بخطوات أسرع، كأنها تخشى أن يسبقها الوقت أكثر.
ربما في نهضتها درس لنا جميعاً: أن الفقر قد يسقط الجسد، لكنه لا يسقط إرادة البقاء. ويبقى السؤال: إلى متى نظل نمر بجانب هذه الحكايات كأنها تفاصيل عابرة، بينما هي في حقيقتها صورة الوطن ذاته؟