الشراكة الرقمية بين السعودية وكازاخستان
في إطار رؤية 2030، تتحول المملكة العربية السعودية بقوة نحو الاقتصاد الرقمي، مدعومة بهيئة البيانات والذكاء الاصطناعي، وفي فبراير 2026، أصبحت السعودية أول دولة عربية تنضم إلى "الشراكة العالمية للذكاء الاصطناعي"، مما عزز مكانتها الدولية في حوكمة الذكاء الاصطناعي، وفي الوقت نفسه، خطت كازاخستان خطوة نوعية بتشغيل أول حاسوب عملاق وطني لها، مدعوم بتقنية "NVIDIA H200"، بقدرة تصل إلى حوالي 2 "إكسا فلوب".
هذا التزامن يعكس ولادة محور استراتيجي جديد بين الرياض وأستانا، يتجاوز التعاون التقليدي إلى بناء سيادة رقمية مشتركة. يلتقي ذلك مع رؤية 2030 التي تجعل "نيوم" نموذجاً للمدن الذكية المستدامة، ومفهوم كازاخستان لتطوير الذكاء الاصطناعي 2024-2029 الذي يهدف إلى تعزيز القدرات الوطنية في مجال التقنية.
قفزت كازاخستان 16 مركزاً في مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي 2025 الصادر عن أكسفورد إنسايتس، لتحتل المرتبة 60 عالمياً وتتصدر آسيا الوسطى، أما السعودية فقد تصدرت منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، محققة مراكز متقدمة في ركيزة الحوكمة السابعة عالمياً وتبني القطاع العام للذكاء الاصطناعي التاسعة عالمياً.
وتشير التوقعات إلى أن الذكاء الاصطناعي سيسهم بحوالي 135 مليار دولار في الناتج المحلي الإجمالي السعودي بحلول 2030، أما كازاخستان فتستهدف رفع صادرات خدمات تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي إلى 5 مليارات دولار بحلول 2029، مع تدريب 5 ملايين شخص على المهارات الرقمية.
يتجسد هذا التكامل في شراكات عملية، مثل التعاون بين مركز "أستانا هاب" وبرامج سعودية مثل "جايا" لدعم الشركات الناشئة وخلق فرص لشركات عملاقة عابرة للقارات.
من وجهة نظري، التحدي الأكبر ليس استيراد التقنية، بل توطينها. بناء نماذج لغوية وطنية باللغتين العربية والكازاخية أمر أساسي لضمان أن يخدم الذكاء الاصطناعي ثقافتنا وقيمنا، بدلاً من أن نكون مجرد مستهلكين.
أتوقع خلال العامين المقبلين تحالفاً استراتيجياً في الحوسبة الخضراء، تستغل فيه كازاخستان مساحاتها الشاسعة ومواردها المتجددة لبناء مراكز بيانات ضخمة، تخدم المنطقة من آسيا الوسطى إلى شبه الجزيرة العربية، وتصبح بنك بيانات آمناً ومستداماً في أوراسيا.
تأتي هذه الشراكة في توقيت مثالي مع استضافة الرياض لقمة الذكاء الاصطناعي العالمية في الفترة من 15 إلى 17 سبتمبر 2026، برعاية صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء.
ستجمع القمة الرابعة خبراء من أكثر من 150 دولة، ومن المتوقع أن تشهد إعلانات مهمة تعزز التعاون مع دول آسيا الوسطى، بما فيها كازاخستان.
تمتلك السعودية رؤية واضحة وقدرات مالية وتكنولوجية متقدمة، بينما تملك كازاخستان موارد وموقعاً استراتيجياً، معاً يشكلان قوة تكنولوجية صاعدة قادرة على المساهمة في رسم مستقبل الذكاء الاصطناعي. الرسالة واضحة المستقبل لن يكتب بلغات البرمجة الغربية فقط، بل بلغة المصالح المشتركة والسيادة الرقمية بين السعودية وكازاخستان.