مرآة تقصيرنا المعرفي

12 June 2026
loransalsher56@gmail.com
لورنس الشعير
تابع الكاتب عبر :

ليس من الدقة، ولا من النزاهة المهنية، أن نستمر في تقديم الأربعاء الأحمر بوصفه “طقسًا غريبًا” أو “احتفالًا فولكلوريًا” خاصًا بجماعة دينية مغلقة. هذا التوصيف لا يعكس جهلًا فقط، بل يكشف خللًا أعمق في طريقة إنتاج المعرفة داخل الإعلام، خصوصًا حين يتعلق الأمر بالأقليات الدينية والثقافية.

Çarşema Sor" أو الأربعاء الأحمر، ليس حدثًا هامشيًا في التقويم الإيزيدي، بل هو لحظة مركزية في تصورهم للكون، يوم يُعتقد أنه شهد بداية الخلق، حيث تحوّلت الفوضى إلى نظام، والصمت إلى وجود. ومع ذلك، يُختزل هذا المعنى الكوني في تقارير سطحية تتحدث عن "تلوين البيض" و"تعليق الزهور".

المشكلة هنا ليست في نقص المعلومات، بل في زاوية النظر، حين يتعامل الإعلام مع الإيزيدية كموضوع غريب، فإنه لا ينقل الواقع، بل يعيد تشكيله ضمن قالب استشراقي داخلي. يتم تقديم الإيزيديين كـ”آخر” حتى داخل جغرافيتهم، وكأنهم خارج السياق التاريخي والثقافي للمنطقة.

هذا النمط من التغطية لا يختلف كثيرًا عن الخطابات التي سبقت كوارث تاريخية، حيث يبدأ كل شيء بسوء فهم، وينتهي بإقصاء أو عنف. وما حدث في الإبادة الجماعية للإيزيديين عام 2014 ليس بعيدًا عن هذا السياق.

السؤال الذي يجب أن يُطرح هنا: هل الإعلام مجرد ناقل، أم شريك في تشكيل الوعي الجمعي؟

واحدة من أكثر النقاط حساسية في فهم الإيزيدية هي شخصية طاووس ملك. في العقيدة الإيزيدية، هو كائن نوراني سامٍ، يمثل الإرادة الإلهية في إدارة العالم. لكن في كثير من التفسيرات الخارجية، يتم إسقاط مفهوم "الشيطان" عليه، وهو إسقاط غير دقيق ومضلل.

هذا ليس مجرد سوء ترجمة، بل خطأ إبستمولوجي—أي خلل في طريقة فهمنا للآخر. نحن لا نحاول فهم الإيزيدية من داخلها، بل نُخضعها لقوالبنا الجاهزة.

لا يمكن فهم Çarşema Sor دون التوقف عند أماكن مثل لالش، المركز الروحي للإيزيديين، وسنجار، التي تحولت من موطنٍ إلى رمزٍ للكارثة. في لالش، تُضاء القناديل احتفاءً بالخلق، وفي سنجار تُضاء الذاكرة كي لا يُنسى ما حدث.

هذا التوازي بين النور والألم ليس تناقضًا، بل تعبيرا عن تجربة وجودية معقدة، حيث يصبح الاحتفال فعلًا مقاومًا، لا مجرد طقس.

إذا أردنا أن نكون صريحين، فالمشكلة لا تكمن في “غموض” الإيزيدية، بل في كسلنا المعرفي. نحن نبحث عن التبسيط، عن السرديات السهلة، عن القصص التي لا تتطلب جهدًا في الفهم، لكن الإيزيدية مثل أي منظومة دينية عميقة، تتطلب قراءة متعددة المستويات: تاريخية، لاهوتية، أنثروبولوجية. تجاهل هذه الأبعاد لا يؤدي فقط إلى تشويه الحقيقة، بل إلى إنتاج جهلٍ مؤسسي.

الأربعاء الأحمر ليس اختبارا للإيزيديين، بل لنا نحن.هل نستطيع أن نرى ما وراء الطقس؟ هل نملك الجرأة لنراجع مفاهيمنا؟ أم سنستمر في استهلاك صورٍ مشوهة لأنها أسهل؟ في زمنٍ تتزايد فيه الحاجة إلى الفهم العميق، لا يمكن للإعلام أن يكتفي بدور المتفرج. إما أن يكون أداة للمعرفة أو شريكًا في التضليل.