باكستان وعُمان بين التنسيق والوساطة
في خضم التوتر المستمر بين الولايات المتحدة وإيران، تتجدد الأدوار الإقليمية في محاولة احتواء التصعيد وفتح مسارات للحوار. لكن الفارق بين هذه الأدوار لا يكمن في الحضور فقط، بل في طبيعة التأثير. وهنا تحديداً يظهر التمايز بين دور سلطنة عُمان كدولة منسّقة، ودور باكستان كوسيط يسعى لفرض معادلة مختلفة.
من وجهة نظري، لا يمكن التقليل من أهمية الدور العُماني. فمسقط نجحت تاريخياً في بناء ثقة متراكمة مع أطراف متخاصمة، وجعلت من نفسها منصة آمنة للحوار. في المفاوضات الحالية، تستمر عُمان في أداء هذا الدور بدقة، حيث تفتح قنوات الاتصال وتدير الجلسات بعيداً عن الضجيج الإعلامي.
لكن هذا النجاح يحمل في داخله حدوداً واضحة. فالتنسيق، مهما كان احترافياً، لا يمنح القدرة على فرض التزامات. حين تتخذ قرارات كبرى كالتصعيد العسكري أو الانسحاب من التفاهمات، فإن المسار العُماني يصبح عرضة للتجاوز. وهذا لا يُعد فشلاً بقدر ما يعكس طبيعة الدور نفسه.
على الجانب الآخر، أرى أن باكستان تحاول اليوم القفز إلى مستوى مختلف. فهي لا تكتفي بتسهيل الحوار، بل تسعى إلى التدخل في مضمونه. من خلال طرح مبادرات، وتقديم تصورات للحل، تحاول إسلام آباد أن تكون طرفاً مؤثراً لا مجرد وسيط تقني.
هذا التحول يعكس إدراكاً باكستانياً بأن إدارة الحوار لا تكفي، وأن القيمة الحقيقية تكمن في القدرة على إنتاج التزام. لذلك، فإن تحركاتها تبدو أقرب إلى الوساطة الفاعلة التي تستخدم أدوات الضغط الناعم، وتستثمر علاقاتها مع مختلف الأطراف لدفعهم نحو التهدئة.
برأيي، الفارق بين عُمان وباكستان لا يتعلق بالكفاءة، بل بطبيعة الوظيفة. عُمان تنجح في إبقاء الحوار قائماً، بينما تحاول باكستان التأثير في نتائجه. الأولى توفر "المساحة"، والثانية تسعى لفرض "المسار"، وهذا الفارق مهم جداً في لحظة مثل هذه، حيث لا يكفي جمع الأطراف، بل يصبح السؤال: من يستطيع منعهم من الانسحاب؟ من يملك القدرة على تحويل التفاهم إلى التزام؟
مع ذلك، لا يمكن افتراض نجاح الدور الباكستاني بشكل مطلق، فنجاح الوساطة يرتبط بعاملين أساسيين: القبول، والقدرة. يجب أن تقبل بها واشنطن وطهران كوسيط موثوق، وأن تمتلك في الوقت نفسه أدوات تأثير حقيقية. إذا اختل أحد هذين الشرطين، فإن الوساطة ستتحول إلى مجرد مبادرة دبلوماسية إضافية، دون أثر فعلي، وهذا ما يجعل المشهد مفتوحاً على احتمالات متعددة، بين نجاح جزئي أو تعثر مشابه لتجارب سابقة.
لا أعتقد أن الدورين متعارضان بالكامل، بل يمكن النظر إليهما كجزء من معادلة واحدة: عُمان تفتح الباب، وباكستان تحاول العبور منه. التنسيق يوفر الأرضية، والوساطة تحاول البناء عليها. لكن التحدي يكمن في أن هذه الأدوار تعمل ضمن نظام دولي غير متوازن، حيث تبقى الكلمة النهائية للقوى الكبرى. وهذا ما يجعل أي دور إقليمي مهما بلغ، محدوداً بحدود الإرادة الدولية.
في تقديري، ما نشهده اليوم ليس مجرد تحرك دبلوماسي، بل اختبار حقيقي لقدرة الدول الإقليمية على الانتقال من إدارة الأزمات إلى التأثير فيها. عُمان تمثل نموذج التنسيق الذكي، بينما تحاول باكستان اختبار حدود الوساطة الفاعلة. لكن المعيار الحاسم سيبقى واحداً: من يستطيع حماية ما يتم الاتفاق عليه؟ فالتاريخ لا يتذكر من جمع الأطراف، بل من نجح في تثبيت سلام حتى لو كان مؤقتاً .