نقد للديمقراطية الغربية
لطالما صُدّرت لنا التجربة البرلمانية الغربية كنموذج أسمى للرقي، لكن نظرة فاحصة لخبايا الـ "بوندستاج" الألماني أو أروقة "الكونغرس" تكشف عن شرخ عميق بين الشعارات والممارسة، إن ما نشهده اليوم ليس "تعدداً للآراء"، بل هو "ديكتاتورية إجرائية" تمارس قمعاً ناعماً تحت مسمى "النظام".
في جلسات "البوندستاج"، نلاحظ ظاهرة "الهمهمة" والتشويش الممنهج، خاصة ضد أصوات مثيرة للجدل سواء كانت يمينية مثل أليس فايدل أو يسارية مثل سارة فاجنكنيخت. هنا لا يواجه الخصم الحجة بالحجة، بل يواجهها بـ "الجدار الصوتي". إنها استراتيجية تهدف لتشتيت ذهن المتحدث ومنع وصول فكرته للمشاهد خلف الشاشات. الديمقراطية هنا تفقد وقارها، وتتحول القاعة من محراب للتشريع إلى "حلبة ضجيج" تفتقر لأبسط قواعد أدب الاستماع.
إن مشهد مقاطعة رئيس البرلمان لخطاب النائب لمجرد تجاوز النائب للوقت بخمس ثوانٍ هو مشهد عبثي بامتياز. كيف يمكن اختزال قضايا مصيرية تمس حياة الملايين في "زمبلك" لا يرحم؟ هذا التقديس الأعمى للوائح على حساب الجوهر يعكس خللاً بنيوياً؛ فالوقت الذي يُفترض أن يخدم الفكر، أصبح "سيفاً" يُسلط على رقاب المتحدثين. إن العدالة لا تتحقق بتساوي الثواني، بل بإعطاء الفكرة حقها في النضوج والاكتمال.
في مجلس الشيوخ الأمريكي، صرنا نرى "خناقات" تليق بالمقاهي الشعبية أكثر من كونها مداولات سياسية رصينة. السياسي اليوم يلهث خلف "التريند"، فيستخدم لغة عامية هجومية تخلو من الرزانة الأكاديمية التي تفرضها هيبة المكان. هذه "الشعبوية اللفظية" أفقدت المؤسسات السياسية وقارها التاريخي، وحولتها إلى منصات لـ "الشو الإعلامي".
لا يمكن إغفال الأثر النفسي للبيئة المحيطة. في مؤتمرات البيت الأبيض، نرى قاعات ضيقة يتكدس فيها الصحفيون كالعلب، مما يخلق مناخاً من التوتر والمشاحنات. قارن هذا برحابة وتنظيم القاعات في أماكن مثل المكتبات الضخمة أو قاعات المؤتمرات، حيث المساحات المدروسة تفرض نوعاً من الاحترام والهدوء النفسي، المكان ليس مجرد جدران، بل هو وعاء يحدد شكل وصوت الحوار، إن الضيق يولد التوتر، والتوتر يولد المشاحنات.
في نهاية انتخابات للبوندستاج حصل حزب BSW على 4.99% من الأصوات والقانون يفرض نسبة 5% كحد أدنى لدخول البرلمان، طالب الحزب بإعادة فرز الأصوات حتى لا تهدر أصوات الملايين الذين صوتوا لهم ولكن لا حياة لمن تنادى، لو نجح وحصل الحزب على 0.1 % بعد إعادة الفرز لأصبحت الحكومة الحالية واغلب قرارتها، غير شرعية، لأنها جاءت بفارق ضئيل جدا، فهل هذا الوضع يعقل في بلد أوروبي مثل ألمانيا.
إن الديمقراطية بلا "أخلاق حوار"، وبلا "احترام لقدسية الفكر"، وبلا "بيئة مكانية كريمة"، هي مجرد مسرحية هزلية، لقد آن الأوان لنتوقف عن الانبهار بـ "الإجراءات" وننظر بتمعن إلى "القبح" الكامن في التفاصيل. إن الرقي الحقيقي يبدأ عندما ندرك أن "الإنسان" وفكره أغلى من "الساعة" وقوانينها الجامدة، وأن هيبة القاعات تُصان بالصمت الواعي لا بالضجيج الممنهج.
إن هذا النقد لا يعني أن الغرب في انهيار أو أن الديمقراطية هي شيء سيء، ولكن لا يجب أن نقف عند الإجراءات وكأنها نص كقدس بل يجب فهم الغرض الاسمي، وهو الوصول لصيغة حكم افضل تحقق الرفاهية والرخاء.