واشنطن تحت الارتجال
مع دخوله العام الثاني من ولايته الثانية، أصبح التناقض في تصريحات وأفعال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هو المقياس الأساسي الذي يصعب، وربما يستحيل معه، التنبؤ بما يريد أو ماذا يقصد من تصريحاته التي في الغالب سيعيد إنتاجها بشكل مغاير وبمضمون مختلف.
الأمر انعكس تالياً على كل أفعال وتصريحات المسؤولين في الإدارة الأمريكية، لدرجة جعلت بعضهم يبدون كأنهم يحاولون لملمة وتصحيح مسار ما قاله الرئيس سلفاً، والبعض الآخر قرر الاستجابة لكل رغبات الرئيس، مهما كان الأمر غريبا وهو ما تابعناه عندما طلب وزير الحرب، بيت هيغسيث، إقالة رئيس الأركان راندي جورج "بأثر فوري" من منصبه.
هذا المشهد تحديداً وهو "الإقالة بأثر فوري" يضطرنا إلى إعادة النظر في آلية صنع القرار السياسي التي لم تعد تلتزم بـ "التوازنات والموازنات" التقليدية، فبعد أن كانت المنظومة تعتمد على تفاعل المثلث الرسمي (السلطة التنفيذية بصفتها صانع القرار الأول، والتشريعية التي تمتلك التمويل والرقابة، والقضائية كضابط إيقاع دستوري)، نجد اليوم هيمنة واضحة للقرار الفردي المرتجل بدرجة كبيرة أدت لتراجع أدوار "الدولة العميقة" والأجهزة الاستخباراتية من صياغة "المدخلات" وتقدير الموقف، لتصبح مجرد مراقب لقرارات تُتخذ خارج الأطر المؤسسية.
التجاوز طال حتى القوى غير الرسمية؛ فجماعات الضغط ومراكز الفكر (مثل بروكينجز) التي كانت تصنع "الأطر النظرية" للسياسات، تجد نفسها اليوم أمام رئيس يفضل "الصفقة اللحظية" على الاستراتيجيات طويلة الأمد. إن عملية صناعة القرار التي كانت تمر بمراحل، تحديد الأجندة، المراجعة البينية، ثم التنفيذ، اختُزلت في "رؤية الرئيس"، مما أدى إلى غياب التنسيق بين الوزارات المعنية (الخارجية، الدفاع، الخزانة).
قبل تغول هيمنة الفرد، كان القرار السياسي الأمريكي نتاج مساومات، ففي القضايا الداخلية، يميل القرار لكونه تشريعياً (تحت رحمة الكونغرس)، بينما في القضايا الدولية يميل لكونه رئاسياً (تحت سلطة القائد الأعلى)، مع بقاء التمويل دائماً بيد المشرعين.
لكن ما نشهده الآن يكاد يناقض كل ما سبق لدرجة يُستشعر معها وجود معضلة بنيوية في عملية اتخاذ القرار داخل إدارة ترامب، وهي معضلة "تضارب الغايات مع الوسائل"، أو ما يمكن وصفه بالتخبط سياسياً واستراتيجياً. وإذا اعتمدنا قرار "الحرب على إيران" باعتباره النموذج الأبرز لهذا الارتجال والتخبط، يمكن أن نلحظ بسهولة ما يلي:
أولا: غياب "السقف العملياتي"، ففي العقيدة العسكرية والأمنية الأمريكية، يُشترط لأي تحرك عسكري تحديد "الهدف النهائي" للعميات العسكرية بدقة. وعلي سبيل المثال فالتناقض بين "تغيير النظام" وبين "تغيير سلوك النظام" ليس مجرد زلة لسان، بل هو شرخ استراتيجي يربك المشهد العسكري والقائمين عليه؛ فالأول يتطلب احتلالاً أو تقويضاً شاملاً، وهو ما ترفضه البيروقراطية العسكرية (البنتاغون) لتكلفته الباهظة. أما الثاني، فهو يتطلب ضغطاً اقتصادياً ودبلوماسياً قاسياً. المحصلة النهائية عندما يطلق الرئيس تصريحات متناقضة، تكون حرمان القادة العسكريين من "الهدف السياسي الموحد"، مما يجعل التحرك الميداني عرضة للاستنزاف دون أفق للنصر.
ثانيا: التخبط بين "رجل الصفقات" و"صقور الإدارة"، فترامب بطبعه يميل إلى مبدأ الصفقة؛ هو يرفع سقف التهديد (مثل المطالبة باليورانيوم المخصب بنسب محددة) كأداة ضغط للجلوس على الطاولة، وليس بالضرورة كخطة حرب. في المقابل، يحيط به صقور (مثل مستشاري الأمن القومي) الذين يملكون أجندة أيديولوجية واضحة تجاه طهران. هذا "الانفصام" داخل البيت الأبيض يؤدي إلى إرسال رسائل متناقضة للخصم (إيران)، مما قد يدفعه لـ "سوء التقدير" والمخاطرة، فضلاً عن إرباك الحلفاء الذين لا يعرفون ما إذا كانت واشنطن ذاهبة للتفاوض أم للتصعيد الشامل. وأخيراً وضع قواته المسلحة فيما يعرف بورطة (الارتجال العملياتي) والدخول في نزاع دون "أهداف دقيقة"؛ عندها يجد البنتاغون نفسه في وضع "رد الفعل" وليس "الفعل الاستباقي".
والحرب التي لا يُحدد فيها سقف للنصر تتحول تلقائياً إلى حرب استنزاف. وفي المقابل، وضع الأهداف التقنية مثل المطالبة بـ 450 كيلو من اليورانيوم كشرط للنصر، وليس هدفاً سياسياً يضمن استقرار المنطقة، يمكن الالتفاف عليه، مما يؤكد أن القرار اتُّخذ بعقلية "المقايضة" وليس بعقلية "التخطيط الاستراتيجي الشامل".
ثالثا: القرار الفردي مقابل المؤسسية، فما يحدث يؤكد هيمنة "القرار الفردي المرتجل" على حساب "المراجعة البينية" التي ذكرناها سابقاً. في الولايات المتحدة عندما يتم تجاوز توصيات مجتمع الاستخبارات والوزارات المعنية لصالح رؤية الرئيس اللحظية، تظهر هذه الفجوات في التصريحات، والتي تعكس غياب "خارطة طريق" واضحة لما بعد الرصاصة الأولى.
وهذا لا يفسر التضارب ولا يثبت فقط حجم التخبط، بل يكشف أن الإدارة دخلت المواجهة فعلياً دون "استراتيجية خروج" واضحة، مما يجعل "إعلان النصر" أمراً مستحيلاً لأن معايير النصر أصلاً مائعة وغير متفق عليها داخل أروقة صنع القرار الأمريكي. حتى شعار "لنعد أمريكا عظيمة مجدداً" الذي يتشدق به ترامب في كل أحاديثه أصبح مجرد جملة دعائية للاستهلاك الإعلامي؛ وليس كما كان يخطط له كحركة سياسية واجتماعية تعييد تشكيل المشهد الحزبي في الولايات المتحدة.
ولا يقتصر أثر هذا الارتجال على الداخل الأمريكي، بل يمتد ليضرب الهيبة الدولية للولايات المتحدة الأمريكية؛ فعندما تفقد القوة العظمى "القدرة على التنبؤ بسلوكها" وتغيب المؤسسية لصالح المزاجية، فإنها تخاطر بخسارة مكانتها كـ "ضامن للاستقرار" لتصبح طرفاً في صراع استنزاف مجهول النتائج، في عالم لا يحترم إلا الوضوح الاستراتيجي.