هل تنجح الصين في كسر الخناق الأميركي؟

04 April 2026
riadhilal84@gmail.com
د. رياض هلال
تابع الكاتب عبر :

في عالم يستهلك أكثر من 100 مليون برميل نفط يوميا، تقف الصين في قلب معادلة الطاقة العالمية باعتبارها أكبر مستورد للنفط، إذ تستورد ما يقارب 11 إلى 12 مليون برميل يوميا، يأتي نحو 40% منها من منطقة الخليج العربي. هذا الاعتماد الكبير يجعل أي تصعيد عسكري في الخليج، خاصة في مضيق هرمز، تهديدا مباشرا للاقتصاد الصيني، ويضع بكين أمام اختبار دائم لقدرتها على الصمود في وجه الضغوط الجيوسياسية.

غير أن الصين لم تنتظر لحظة الخطر لتتحرك، بل عملت على بناء منظومة دفاع اقتصادي متعددة الأبعاد، لا تقوم فقط على تنويع مصادر الطاقة، بل على إعادة تعريف علاقتها بالطاقة نفسها. فإلى جانب استيراد أكثر من 2 مليون برميل يوميا من روسيا وتعزيز الإمدادات من آسيا الوسطى وأفريقيا، وتطوير خطوط أنابيب برية تقلل الاعتماد على الممرات البحرية، تشير التقديرات إلى أن الصين تمتلك أكبر احتياطيات طوارئ من النفط في العالم، بإجمالي 3 مليار برميل، ما يمنحها هامشا زمنيا ثمينا في حالات الطوارئ.

لكن التحول الأهم في الاستراتيجية الصينية لا يكمن في كيفية تأمين النفط، بل في كيفية تقليل الحاجة إليه. استثمرت الصين بشكل كبير في مجال الكهرباء. إذ تُشكّل الكهرباء 30 بالمئة من استهلاك الطاقة في البلاد، أي ما يزيد بنحو 50 بالمئة عن الولايات المتحدة أو أوروبا، مما يجعلها أكثر تحصيناً ضد ارتفاع أسعار النفط العالمية. 

هنا يدخل ما يمكن وصفه بالتحول الطاقي كركيزة مركزية في التفكير الاستراتيجي الصيني. فبكين لم تعد تنظر إلى الطاقة البديلة كخيار بيئي، بل كأداة تحرر جيوسياسي. في السنوات الأخيرة ، استثمرت الصين بما يقارب التريليون دولار في قطاع الطاقة المتجددة، وهو رقم يتجاوز استثمارات أوروبا والولايات المتحدة مجتمعتين، ما يعكس حجم الرهان الصيني على هذا المسار.

هذه الاستثمارات الضخمة مكنت الصين من السيطرة على ما بين 60 و70% من سلاسل إنتاج الألواح الشمسية عالميًا، إضافة إلى حضور قوي في صناعة توربينات الرياح. وبهذا لم تعد الصين مجرد مستهلك للطاقة، بل تحولت إلى مركز عالمي لإنتاج تكنولوجيا الطاقة النظيفة، واليوم تُسهم الصين بنحو ثلث قدرة توليد الطاقة المتجددة على مستوى العالم ما يمنحها تفوقًا مزدوجًا: تأمين احتياجاتها داخليًا، وفرض حضورها خارجيًا كمصدر رئيسي لهذه التقنيات.

ويتكامل هذا التحول مع الثورة التي تقودها الصين في قطاع السيارات الكهربائية، حيث تجاوزت مبيعات مركبات الطاقة الجديدة 10 ملايين وحدة في عام 2024، مع معدلات نمو سنوية تتجاوز 50%. هذا التوسع الهائل جعل الصين أكبر سوق عالمي، بل ومصدرا رئيسيا للسيارات الكهربائية، حيث تهيمن على نحو 60% من الإنتاج العالمي، ما يساهم تدريجيًا في خفض الطلب على النفط، خاصة في قطاع النقل.

ولا تكتمل صورة هذه الاستراتيجية دون التوقف عند أحد أخطر أوراق القوة الصينية: عناصر الأرض النادرة. فرغم أن هذه المعادن ليست نادرة من حيث الوجود، إلا أن السيطرة على معالجتها تمنح بكين نفوذا استثنائيا، إذ تتحكم فيما بين 80 و90% من عمليات التكرير عالميًا، إضافة إلى نحو 60% من الإنتاج. هذه العناصر تدخل في صناعات حيوية تشمل الإلكترونيات المتقدمة، والسيارات الكهربائية، وتوربينات الرياح، وحتى الأنظمة العسكري.

في هذا السياق، تتحول هذه الموارد إلى سلاح اقتصادي صامت. فكما تستخدم الولايات المتحدة الدولار والعقوبات، تستطيع الصين التأثير في سلاسل التوريد العالمية عبر تقييد تصدير هذه المعادن، ما قد يربك الصناعات الغربية، خصوصا في مجالات التكنولوجيا والدفاع. غير أن بكين تميل إلى استخدام هذه الورقة كأداة ردع أكثر من كونها سلاحا مباشرا، إدراكا منها أن التصعيد قد يدفع خصومها إلى البحث عن بدائل.

الأهم أن هذه الورقة تتكامل مع تفوق الصين في قطاع الطاقة النظيفة، حيث تسيطر أيضا على أكثر من 70% من إنتاج بطاريات الليثيوم-أيون عالميا. هذا الترابط بين الموارد والتكنولوجيا يمنحها قدرة على التحكم ليس فقط في مصادر الطاقة، بل في مستقبلها.

من منظور الأمن القومي، يعيد هذا التحول تعريف مفهوم “الأمن الطاقي”. فكل ميغاواط يتم توليده من الشمس أو الرياح داخل الصين، يعني برميل نفط أقل يمر عبر مضيق قد يكون عرضة للتوتر أو الحصار. وبذلك، تقلل الصين تدريجيًا من اعتمادها على الممرات البحرية التي تهيمن عليها القوى الغربية، وتبني استقلالًا في مجال الطاقة يجعلها أقل عرضة للضغط الخارجي.

اقتصاديًا، يساهم هذا التحول في تقليص فاتورة استيراد النفط، التي قد ترتفع بعشرات المليارات مع أي زيادة في الأسعار. فكل ارتفاع بمقدار 10 دولارات في سعر البرميل قد يضيف نحو 40 مليار دولار إلى فاتورة الصين، ما يجعل تقليل الاعتماد على النفط هدفًا اقتصاديًا بقدر ما هو استراتيجي.

في المحصلة، لا تواجه الصين الضغوط عبر الدفاع فقط، بل عبر إعادة تشكيل قواعد اللعبة. فهي لا تكتفي بتأمين النفط، بل تعمل على تقليل الحاجة إليه، وتسعى لبناء بدائل موازية له، كما أنها تمسك بمفاتيح موارد أساسية ستحدد شكل الاقتصاد العالمي في المستقبل.

بهذا المعنى، لا يبدو أن الصين تبني مجرد حصن اقتصادي، بل ترسم ملامح نظام جديد، تقل فيه هيمنة النفط والدولار، وتتصاعد فيه أهمية التكنولوجيا والموارد الاستراتيجية كأدوات نفوذ في عالم يتغير بسرعة.