التخبط الإيراني في مضيق هرمز
في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تقف إيران اليوم أمام اختبار استراتيجي حقيقي يكشف عمق التناقضات داخل بنيتها السياسية والعسكرية. فالتصعيد الأخير في مضيق هرمز، وما صاحبه من استهداف مباشر للسفن التجارية وتهديد الملاحة الدولية، لا يمكن قراءته بوصفه مجرد رسالة قوة، بل هو أقرب إلى تعبير واضح عن حالة تخبط في القرار الإيراني.
لقد اعتادت طهران توظيف مضيق هرمز كورقة ضغط جيوسياسية، إلا أن ما يحدث اليوم يتجاوز منطق الردع المدروس إلى سلوكيات غير منضبطة، تعكس أزمة في إدارة الصراع أكثر مما تعكس قدرة على التحكم فيه.
يمثل مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في العالم، حيث يمر عبره ما يقارب خُمس إمدادات النفط العالمية. ومنذ عقود، كانت إيران تلوّح بإغلاقه كوسيلة ضغط في مواجهة خصومها. لكن المفارقة اليوم أن هذه الورقة الاستراتيجية تحولت إلى عبء ثقيل على إيران نفسها. فبدل أن يكون المضيق أداة تفاوض، أصبح ساحة مواجهة مفتوحة تهدد الاستقرار الإقليمي والدولي، وتضع طهران في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي بأسره، لا مع خصومها فقط.
إن أخطر ما في السلوك الإيراني الأخير هو استهداف السفن التجارية، وهو تطور نوعي ينقل الأزمة من إطارها السياسي والعسكري إلى مستوى تهديد الاقتصاد العالمي. هذا السلوك يطرح تساؤلات جوهرية من قبيل، ما المكسب العسكري من ضرب سفن مدنية؟ كيف يمكن تبرير استهداف حركة التجارة العالمية؟ولماذا توسّع إيران دائرة الصراع لتشمل أطرافًا غير معنية أصلًا؟
الإجابة الأقرب للواقع أن هذه الخطوات تعكس ارتباكًا في تحديد الأهداف، حيث تتحول أدوات الضغط إلى أدوات تدمير ذاتي تضر بسمعة الدولة وتفتح الباب لتدخلات دولية واسعة.
من أبرز مظاهر التخبط الإيراني هو التناقض الصارخ بين الخطاب الرسمي والسلوك الميداني. ففي الوقت الذي تعلن فيه طهران استعدادها لتأمين مرور السفن غير المعادية، تشير الوقائع إلى منع سفن من العبور رغم حصولها على ضمانات، إرجاع ناقلات من دول يفترض أنها محايدة أو حتى صديقة، التعامل الانتقائي مع حركة الملاحة وفق معايير غير واضحة. هذا التناقض لا يضر فقط بسمعة إيران، بل يكشف عن غياب مركز قرار موحد، وتضارب محتمل بين الجهات السياسية والعسكرية، خاصة في ظل دور الحرس الثوري الذي يبدو أحيانًا وكأنه يتحرك بمنطق مستقل.
في تطور لافت، اتجهت إيران إلى ما يشبه فرض رسوم أو شروط على مرور السفن عبر المضيق، وهو ما يمكن وصفه بنظام جباية بحرية. هذه الخطوة، وإن بدت محاولة لاستثمار النفوذ الجغرافي، إلا أنها في الواقع تقوّض القوانين الدولية للملاحة، و ترسخ صورة إيران كقوة غير منضبطة، وتخلق حالة من الفوضى في أحد أهم الممرات العالمية، والأخطر من ذلك، أنها تدفع المجتمع الدولي للتفكير في إيجاد بدائل أو تدخلات مباشرة لتأمين الملاحة، ما يعني تقليص النفوذ الإيراني بدل تعزيزه.
السياسات الإيرانية في مضيق هرمز لم تحقق مكاسب ملموسة، بل أدت إلى سلسلة من النتائج العكسية من بينها:
عزلة دولية متزايدة لإيران: حتى الدول التي كانت تحافظ على علاقات متوازنة مع إيران بدأت تتخذ مواقف أكثر حذرا.
تآكل الثقة: حين تتراجع سفن لدول كبرى خوفًا من المخاطر، فإن ذلك يعكس فقدان الثقة في أي ضمانات إيرانية.
ضرر اقتصادي مباشر: تعطيل الملاحة لا يضر فقط بالعالم، بل يضر بإيران نفسها التي تعتمد على صادرات الطاقة.
مبرر لتدخل دولي: التصعيد غير المنضبط يفتح الباب أمام تحالفات دولية لحماية الملاحة، وهو ما قد يقلص الدور الإيراني في المنطقة.
المشهد الحالي يكشف أن إيران تستخدم أدوات متعددة للتصعيد من بينها تهديدات عسكرية، عمليات بحرية، ورسائل إعلامية متناقضة، لكن المشكلة الجوهرية ليست في الأدوات، بل في غياب البوصلة الاستراتيجية. فالسلوك الإيراني يبدو أقرب إلى ردود فعل متتابعة لا خطة متماسكة، وهذا ما يجعل التصعيد غير قابل للتنبؤ، ويزيد من احتمالات الانزلاق نحو مواجهة أوسع.
لم تعد الأزمة محصورة في نطاقها الإقليمي، بل أصبحت تمس الاقتصاد العالمي بشكل مباشرارتفاع أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد وتهديد استقرار الأسواق، ومع تصاعد التوتر، أصبح مضيق هرمز نقطة اشتعال عالمية، وليس مجرد ممر بحري إقليمي.
إيران اليوم أمام معادلة صعبة، التراجع يعني فقدان الهيبة والاستمرار يعني تعميق الخسائر، وهذا ما يُعرف في علم العلاقات الدولية بالمأزق الاستراتيجي، حيث تصبح كل الخيارات مكلفة، ويضيق هامش المناورة.
إن ما يجري في مضيق هرمز اليوم ليس مجرد تصعيد عابر، بل هو انعكاس لأزمة أعمق في بنية القرار الإيراني. فبدل أن يكون المضيق ورقة قوة، تحول إلى ساحة اختبار تكشف حدود القدرة على إدارة الصراع.
استهداف السفن التجارية، والتناقض في المواقف، وغياب الرؤية الواضحة، كلها مؤشرات على أن إيران لم تعد تتحرك ضمن استراتيجية متماسكة، بل ضمن حالة من التخبط السياسي والعسكري. وفي ظل هذا الواقع، يبقى السؤال الأهم، هل تستطيع إيران إعادة ضبط بوصلتها قبل أن تتحول أزمتها الحالية إلى خسارة استراتيجية طويلة الأمد؟