العقيدة العسكرية الإسرائيلية الجديدة

26 March 2026
djeroudmanal@outlook.fr
منال جرود
تابع الكاتب عبر :

لطالما استندت العقيدة العسكرية الإسرائيلية منذ عهد "ديفيد بن غوريون" إلى ثلاثية (الردع، الإنذار المبكر، والحسم العسكري). إلا أن المشهد الجيوسياسي المتفجر في عام 2026 أثبت أن هذه الركائز التقليدية لم تعد كافية لمواجهة تهديدات الحروب الهجينة وتعدد الجبهات. نحن نشهد اليوم ولادة عقيدة أمنية جديدة تدمج بين القوة التكنولوجية الفائقة، وسياسة الضربات الاستباقية المطلقة، وكذا توسيع مفهوم "عقيدة الضاحية" لتشمل أهدافاً إقليمية أبعد.

تطورت العقيدة الإسرائيلية عبر محطات مفصلية؛ فبعد عقود من الاعتماد على "التفوق النوعي" لحسم الحروب التقليدية ضد جيوش نظامية، فرضت حرب أكتوبر 1973 وحروب غير متكافئة لاحقة مثل حرب لبنان 2006، وعملية "الرصاص المصبوب" 2008، تحولاً نحو تكتيكات "الرد السريع" و"القوة الانتقامية." إلا أن الفشل الاستخباري والميداني في 2023 أثبت للمؤسسة العسكرية أن الردع هو مفهوم سيكولوجي هش يعتمد على تقدير نوايا قد تخطئ الاستخبارات في قراءتها. 

بناء عليه، تشير وثائق معهد دراسات الأمن القومي (INSS) ومركز (CSIS) للأعوام 2025 و2026 إلى تحول جذري نحو "الدفاع الهجومي المباشر" أو "الدفاع النشط الشامل". ويرتبط هذا التحول مباشرة بـ "عقيدة بيغن"، التي تفرض توجيه ضربات وقائية مطلقة لمنع الأعداء من امتلاك أسلحة دمار شامل أو تفوق عسكري يكسر التوازن. ولم تعد العقيدة تحصر المواجهة مع "الأذرع"، حزب الله وحماس فقط، بل برزت "عقيدة الأخطبوط" التي تستهدف المركز في طهران، حيث انتقلت إسرائيل من "المعركة بين الحروب" (العمليات السرية) إلى المواجهة المباشرة العلنية لتفكيك التهديد من منبعه.

الركائز الأساسية للعقيدة الحالية هي أولا "الحسم التكنولوجي والذكاء الاصطناعي"، فلم يعد العنصر البشري هو الفاعل الوحيد؛ إذ تشير المصادر الحديثة إلى دمج الذكاء الاصطناعي في تحديد الأهداف بمعدلات غير مسبوقة. مما يتيح شن آلاف الضربات الدقيقة في وقت قياسي لتقصير أمد الحرب. كما دخلت الأنظمة الدفاعية الليزريةوالمسيرات الانتحارية كعناصر حاسمة لحماية الجبهة الداخلية من الصواريخ والمسيرات.

من الركائز أيضا الاستباقية وسلاح الاغتيالات الممنهجة، حيث تحولت الاغتيالات من أداة تكتيكية إلى ركن استراتيجي، فإسرائيل تهدف من خلال الاغتيالات المركزة إلى ضرب رأس الهرم القيادي لزعزعة استقرار التنظيمات والدول المعادية. معتبرة أن تغييب الهرم القيادي يؤدي إلى تآكل القدرة العملياتية للخصم على المدى البعيد، وهو ما برز كأداة ردع رئيسية في عام 2026، وتعكسه أحداث الاغتيالات التي تطال إيران بشكل جلي.

لا تزال "عقيدة الضاحية" التي صاغها "غادي آيزنكوت"، الركيزة الأخلاقية والقانونية من وجهة نظر إسرائيلية للحرب الحالية. هي تعتمد استخدام قوة نيران هائلة وغير متناسبة ضد أي منطقة تخرج منها النيران، مع اعتبار البنية التحتية المدنية أهدافاً عسكرية إذا استخدمها الخصم. الهدف هنا هو خلق وعي بالهزيمة وتحميل البيئة الحاضنة تكلفة باهظة لمنع جولات قتال مستقبلية، وهو ما يطبق الآن ضد فصائل مسلحة تتخذ من المناطق الحضرية مراكز لها.

وإسرائيل واحدة من الدول الرائدة في استخدام التكنولوجيا المتقدمة في مجال الدفاع، إذ أن الأنظمة الدفاعية مثل "القبة الحديدية" تعتبر واحدة من أهم ابتكاراتها العسكرية. كما تعتمد على قوة استخباراتية قوية تستند إلى وحدات مثل "وحدة 8200" للعمليات السيبرانية والاستخبارات، ليس فقط لجمع المعلومات، بل كأداة هجومية لتعطيل البنية التحتية للخصوم وإدارة "الحرب النفسية" لتفتيت الجبهات الداخلية للأعداء.

ولا يمكن فصل التحركات العسكرية الحالية عن مفهوم "مشروع إسرائيل الكبرى" (أرض إسرائيل الكاملة). هذا المفهوم الاستراتيجي يعكس طموحات توسعية تسعى لإعادة رسم الحدود بما يتماشى مع المصالح الإسرائيلية، ويشمل تعزيز السيطرة الأمنية والعسكرية على الأراضي المجاورة  (الضفة الغربية، غزة، الجولان السوري) لتقويض أي مقاومة مستقبلية. وفي عام 2026، يتم استخدام المواجهة مع إيران كأداة لتفكيك القوى الإقليمية التي تقف حائلاً دون هذا التوسع.

أدى هذا التوجه أيضا إلى خلق ما يمكن تسميته بـ "تحالف المحيط المعكوس"؛ حيث تتقارب إسرائيل مع بعض دول الخليج (عبر اتفاقيات أبراهام وما تلاها) بناء على قاعدة "العدو المشترك". وتسعى إسرائيل من خلال هذه التحالفات إلى بناء جبهة عريضة ضد النفوذ الإيراني، تشمل تعاوناً استخباراتياً وتكنولوجياً، مما يمنحها موطئ قدم استراتيجي في منطقة الخليج تحت غطاء الأمن المشترك.

رغم التفوق العسكري الكاسح، إلا أنه هنالك فجوة بين الإنجازات العسكرية الاستراتيجية وبين المكانة الدولية والإعلامية لإسرائيل. تكمن دقة التحليل في كشف التناقض؛ فرغم تحقيق إنجازات تكتيكية كبرى (اغتيالات قيادات الصف الأول، تدمير البنى التحتية)، إلا أن العقيدة الحالية تعاني من فقر سياسي وتعتمد على الحرب الدائمة بلا أفق سياسي، مما أدى إلى:

  • استنزاف جيش الاحتياط: التحول من جيش صغير وذكي إلى جيش كبير وتقليدي يضع ضغوطاً هائلة على الاقتصاد والمجتمع.

  • تآكل الشرعية الدولية: تطبيق "عقيدة الضاحية" بشكل موسع وضع إسرائيل في مواجهة قانونية وتاريخية مع المؤسسات الدولية، مما خلق فجوة بين الانتصار الميداني والخسارة الاستراتيجية في الرأي العام العالمي.

  • تناقض الطموحات: بينما تسعى إسرائيل لبناء شراكات أمنية مع دول الخليج لمواجهة إيران، تظل السياسات التوسعية المرتبطة بـ "إسرائيل الكبرى" عامل تهديد للاستقرار الإقليمي، مما قد يجعل هذه التحالفات هشة أمام الضغط الشعبي العربي.

ثمة مجموعة من العوامل المؤثرة في تغير العقيدة الإسرائيلية، نذكر منها: 

  • تعدد الجبهات: الانتقال من مواجهة عدو واحد إلى مواجهة "حلقة النار" المحيطة بها.

  • التكنولوجيا العسكرية: دخول الطائرات المسيرة الانتحارية والأنظمة الدفاعية الليزرية كعناصر حاسمة في حماية الجبهة الداخلية.

  • التحولات السياسية الداخلية: أثرت الانقسامات الداخلية والتغيرات في الهيكلية الاجتماعية الإسرائيلية على روح القتال وتشكيل العقيدة الأمنية، مما دفع نحو الاعتماد أكثر على القوة الجوية والاستخبارات لتقليل الخسائر البشرية في صفوف الجيش.

  • المتغير الإقليمي: الذي يفرض على إسرائيل الموازنة بين "عقيدة بيغن" لضرب المفاعلات والقدرات الإيرانية، وبين الحاجة للحفاظ على تحالفاتها الجديدة في الخليج لضمان أمن الملاحة والتجارة.

ختاما، ترتكز العقيدة الإسرائيلية لعام 2026 على الاستنزاف التكنولوجي والاغتيالات لمواجهة "حلقات النار"، مدفوعة بطموحات "مشروع إسرائيل الكبرى" لإعادة رسم الخارطة الإقليمية بما يضمن تفوقها المطلق. ومع ذلك، فإن هذا التفوق العسكري الكاسح يبقى مكبلاً بغياب الأفق السياسي، مما يحول الانتصارات الميدانية إلى استنزاف مستمر وأزمات شرعية دولية، دون تحقيق استقرار مستدام.