الشيعة بين فخ "الولاية" وضمان "الوطنية"

27 March 2026
mbl92n@gmail.com
محمد العيسى
تابع الكاتب عبر :

​لا شك أن السلوك السياسي الإيراني، واعتداءاته الممنهجة التي طالت أمن الخليج العربي، قد استفزت كل نفس مسلمة غيورة، فبينما تدعي طهران أنها "جمهورية إسلامية" تأتي أفعالها لتناقض شعاراتها؛ والحقيقة الصارمة هي أن هذه المنظومة أشبه ما تكون بـ "المستنقعات الأيديولوجية الآسنة التي تدعي الطهارة". وأعتذر للقارئ، فهذا هو "فقه الواقع" لنظام لا يمكن تجميله بكلمات منمقة أو دبلوماسية رقيقة.

بيد أن الواجب الأخلاقي يقتضي تفكيك المشهد بعيدًا عن "التعميم" الذي طال العامة من الشيعة، حيث برز تيارٌ ظُلم من جهتي "الظالم والمظلوم". ولإحقاق الحق، لا بد من تصنيف المدارس الشيعية وفق تمايزها الحقيقي:

 المدرسة الأصولية (التقليد الاجتماعي)

هؤلاء هم "أهل العبادة"؛ لا يعنيهم من يحكم بقدر ما يعنيهم توافق شؤون حياتهم مع "المرجعية" ليس لديهم طموح سياسي، وغالبية هذا التيار تتبع مرجعية "السيستاني". ومع ذلك، وقعت مرجعيتهم ضحية استغلال مدرسة "ولاية الفقيه" عبر إنشاء ما يُسمى بمليشيا "الحشد الشعبي" لإنهاء وجود داعش، قبل أن يتحول الأخير إلى كتيبة من كتائب الحرس الثوري لمهاجمة وطنه.

 المدرسة الإخبارية (الانتظار الروحي)

تيار لا يكترث بموازين القوى السياسية، همهم اتباع مرجعيتهم (أمثال الميرزا والأحقاقي) بانتظار "الإمام الغائب". بالنسبة لهؤلاء، أي حراك سياسي قبل "الظهور" هو عبث لا طائل منه، وهم منغمسون روحيًا في تمجيد رؤوس مرجعياتهم بديباجات وصفية مفرطة، وهو ما يوضح حجم الانغماس العاطفي لأتباع هذا التيار.

مدرسة ولاية الفقيه (عقيدة "عقدة صدام" وتسييس الغائب والغيب)

عند التأمل في هذه المدرسة، نجد أنها صنيعة "صدمة تاريخية"؛ فقد تشكل وعي قادتها تحت وطأة ما فعله بهم صدام حسين، فمن رحم تلك الهزيمة والإنهاك ولد نظام مهووس بـ "البقاء" لقد صنعوا جيشا نظاميا يوازيه حرس ثوري، وباسيج يوازيه شرطة، وفق استراتيجية "الفسيفساء المستقلة"

بُني هذا النظام لتعمل أجهزته باستقلالية حتى لو قُطع رأسه، متبنيًا استراتيجية "قضم الأطراف" ولتمرير هذا المشروع يتم استدرار عواطف العوام عبر تصوير الخصوم السياسيين (مثل ترمب أو نتنياهو) في صورة شخصيات تاريخية كـ "يزيد بن معاوية " أو "الشمر بن ذي الجوشن".

إنها منظومة تعاني من "شيزوفرينيا" واضطراب في الوعي التاريخي؛ حيث تُستخدم العقيدة كأرضية لممارسات براغماتية توسعية، تقوم بتفخيخ مفهوم الدولة لدى أتباعها وتدغدغ مشاعرهم بتشريعات مثيرة للجدل والمفارقة أن أصحاب المدرستين الأولى والثانية يرون هؤلاء خوارج خرجوا عن حقيقة المذهب.

الوطنيون (الفئة المظلومة بين سندانين)

هؤلاء هم "الأقلية المنسية"؛ ظُلموا من المدارس السابقة لأنهم كفروا بتبعية الخارج واختلافهم الفكري عنهم في الكثير من الثوابت، وظُلموا من العامة الذين وصموهم بـ "الروافض" بجرة قلم، هؤلاء ولاؤهم لوطنهم، يأكلون مع أخيهم "السني" من ذات الإناء، لا يشتمون ولا يغالون ويبنون أوطانهم، تكمن مشكلتهم أنهم إن تحدثوا كفرهم مجتمعهم، وإن صمتوا أُلصقت بهم مخازي المدارس المتطرفة.

إن نظام الملالي لم يتعلم من الحرب السلام، بل تعلم كيف يصنع نظاما "هجينا" يحميه من السقوط، محولاً المذهب إلى "درع بشرية" و"وقود" لمطامعه. إن الاستمرار في "شيطنة" الشيعي الوطني هو أعظم هدية تُقدم لهذا النظام الذي يقتات على الإقصاء ليختطف المذهب ويحوله إلى حقيبة دبلوماسية لمصالحه.

الرد المزلزل ليس بمهاجمة الطوائف، بل باحتواء "الوطنيين الشرفاء" لقد حان الوقت ليدرك الجميع أن تربة "الوطن" أطهر من أن تُدنس بتبعية "مرشد" يبيع الوهم، وأن الوطنيين هم الصخرة التي ستتحطم عليها أحلام الإمبراطوريات الزائفة التي تعيش على ذكريات الهزائم القديمة.