المدينة في عالم كوبريك السينمائي

15 August 2026
المخرج ستانلي كوبريك خلال تصوير أحد أفلامه (وسائل التواصل)
المخرج ستانلي كوبريك خلال تصوير أحد أفلامه (وسائل التواصل)
mahmoud.b.mrheg@gmail.com
محمود ابراهيم مرهج
تابع الكاتب عبر :

سواء كانت نيويورك أم مدينة فيتنامية منكوبة، فالمدينة في عالم كوبريك، الفضاء الذي يدور فيه ممثلوه، هي عنصر السرد المرئي غير المباشر. كوبريك هرب من ضوضاء نيويورك التي وُلِد فيها عام 1928، واستقر خلال سبعينيات القرن الماضي في الريف الإنكليزي، في أحد القصور التي أصبحت مكان عمله وتحضيره لإنتاجاته حتى وفاته عام 1999. 

يُعتبر ستانلي كوبريك من أكثر الشخصيات تأثيرا في السينما، حيث قدم 11 فيلما روائيا طويلا بمختلف التصنيفات، منها: الدراما، والنوار، والتاريخي، والكوميدي، والخيال العلمي. لا يعود شكل المدينة وتصويرها بالشكل الذي قام به كوبريك إلى أعماله اللاحقة، أو لفترة ما بعد خروجه من نيويورك. ففي أعماله الأولى، وتحديدا عمله الثاني «قبلة قاتل»، تظهر رؤية كوبريك المُبكرة لمدينة نيويورك العارية، غير الجذابة، الخالية من الروح والجمال. 

في فيلمه الأخير «عيون مغلقة على اتساعها» يعود كوبريك مجددا إلى نيويورك دون أن تطأ قدمه شوارعها، حيث صوّر الفيلم بعد أن قام بتصميمات تحاكي شوارع مانهاتن، باستثناء المشاهد الخارجية للمدينة التي قام مساعدوه بتصويرها فعليا في نيويورك. 

تظهر المدينة في «عيون مغلقة على اتساعها» ليس كنيويورك التي نعرفها، فنجدها شاحبةً وفاقدةً للبريق من خلال اللقطات المأخوذة للمباني والشوارع، ومن ثم لدينا البطل توم كروز يتجوّل في شوارعها بمشاهد طويلة. 

تتلاءم المدينة فعليا مع ما قاله ابن خلدون في العمران الحضاري الذي يخفي في أسسه عوامل الترف والضعف على السواء، الترف البارز والانغماس في الملذّات في مظاهر الحفلة الجنسية التنكّرية التي حضرها توم وضعف المدينة القائم على الانحلال الأخلاقي. فها هو صاحب متجر الملابس الذي يُغوي توم بابنته مقابل المال، وتلك السيدة التي اعترفت له بحبّها ورغبتها العارمة به إلى جانب فراش يتمدّد عليه والدها المتوفي للتو، وقبل دقائق من وصول خطيبها، فتتبلور في المدينة بعالم كوبريك الثنائية التالية: شبكة العلاقات في المجتمع وصراع الفرد مع المجتمع.

بالعودة إلى طابع المدينة والمشاهد الباهتة لنيويورك التي تبدو وكأنّها تتماهى مع حالة توم النفسية، نجده غريبا فيها ولا منتميا، مدفوعا ليتخلى عن قيمه، ويتشبه بما ليس فيه ولو لحين.

تأتي اللمسة القدرية لتنقذه في أحلك اللحظات ولكنها أكثرها بُعدا عن المدينة و"شبكة علاقاتها": انهياره أمام زوجته عندما وجد القناع الذي استخدمه في حفلة الجنس التنكّرية على فراشها، ومكالمة زوجته التي قطعت عليه العلاقة الجنسية التي كان على وشك أن يقيمها مع فتاةٍ غريبةٍ في شقتها، والتي تبيّن لاحقًا أنّها مصابة بالإيدز. 

في «البرتقالة الآلية» يكتمل ثالوث المدينة بوصفها أداةً للعبث السلطوي، الذي لا يقتصر في بعض الأحيان على خلق بيئاتٍ للمجرمين، بل حتى على إعادة تأهيلهم بما يخالف الطبيعة البشريةK نرى علاقة الأفراد فيما بينهم وسط مجتمع المدينة وتداخل السلطات به، 

والمدينة من جديد مرتع الفساد والعنف الذي يقتحم دوائرها الشخصية الأكثر أماناً، والمدينة (لندن) عنيفةٌ، تغذّي التطرّف، شاحبةٌ مظلمةٌ، وتحمل المتناقضات في أنفس شخصياتها. تعرف هذا الجانب منها، الموجود في كل مدينة، ولكنّك تشعر أنّه الطاغي والمتحكم. 

لعل قصص كوبريك بحاجةٍ إلى مثل هكذا مدن، أو أن المدن نفسها لا تكتمل حكايات شخصياتها ولا تعيد تدوير العنف إلا إذا كان هذا طابعها، فعند إعادة تأهيل أليكس (مالكولم ماكدويل) نجده تعرّض للعنف من أصدقائه السابقين المجرمين الذين أصبحوا رجال شرطة، من ثم يتلقى صدمةً عاطفيةً من عائلته التي استغنت عنه، وصولا إلى تعنيفه من قبل الكاتب الذي كان أحد ضحاياه سابقًا، فالمدينة الآمنة الجميلة ما كانت ليدور فيها مثل هكذا عنف، وما يلزمها هو الجانب الموحش القابع في أنفس مواطنيها، أيّ أبطالنا/شخصيات كوبريك السينمائية. 

تحمل المدينة في عالم كوبريك وجهًا آخر يخالف مماهاتها لشخصياتها، يظهر ببرودها وحياديتها تجاه عنف مجتمعاتها، وتجبرها على أفرادها الآمنين. فبعيدًا عن الأفراد القتلة أو المغتصبين، والآخرين الذين يظهرون استعدادا لممارسة العنف، والضحايا بطبيعة الحال؛ لدينا مجتمعات مفككةٌ ومحطمةٌ. 

في الفيلم الحربي «سترة معدنية مكتملة» نرى أفرادا لا ينتمون للمدينة المنكوبة، بل دخلاء على هذه الأرض الفيتنامية بعد أن تم تجريدهم من تمايزهم وكل ما يدفعهم للتساؤل حول جدوى ما يقومون به بعد أن أصبحوا أدوات قتلٍ نافعةً للسلطة. ينقل كوبريك المشاهد إلى قلب المعركة، المدينة المدمّرة، الأدخنة المتصاعدة، الجنود الأميركيون وتفاصيلهم… إلخ. والأبرز هو الضحايا المدنيون والمقاومة الشعبية، ثنائية الصراع الأخلاقي التي تُدفع للذروة قبل أن تعود للخمود، فتتكل عبثية الحرب ومشاهدها بعبثية تصرفات الجنود الأميركيين بأغانيهم وضحكاتهم بعد أن أصبحوا آلات القتل. هنا كوبريك يقول ما موقفه من الحرب الأميركية على فيتنام، ولا ينطلق من العنف من أرض المعركة بل بالتدجين الذي حصل في معسكر التدريب. 

لم يتتبع كوبريك مجتمعاتِ شخصياته، أي إنه لم يقم باستحضارها، بل استحضر المدينة بما تحويه من مجتمعاتٍ مختلفة، فظهرت المدينة حاضنة للعنف، لا مبالية بأفرادها الآمنين. وبهذه المعادلة مثّلت المدينة صورة أبطاله المحوريين، وحتى ضحاياه الهامشيين، في إطار مُبهِرٍ يُظهر إبداع كوبريك في التصوير السينمائي، وما جعله لاحقا مدرسة في هذا المجال، وملهما لمخرجين عالميين كبار مثل كريستوفر نولان وستيفن سبيلبرغ.