إيران لن تكون كما عرفناها قبل الحرب
قبل اندلاع الحرب الإيرانية -الإسرائيلية-الأمريكية، كانت إيران تشهد موجة من الاحتجاجات الداخلية الرافضة لحكم علي خامنئي. وقد قوبلت هذه المظاهرات بقمع شديد، حيث تشير بعض التقديرات إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا خلال فترة قصيرة، ما جعلها من أكثر الأحداث دموية في تاريخ إيران الحديث.
لم تكن هذه الاحتجاجات معزولة، بل جاءت ضمن سلسلة من المظاهرات التي بدأت منذ الحركة الخضراء في إيران عام 2009، مرورًا باحتجاجات 2019، ثم احتجاجات 2022، وهو ما أدى إلى تراكم حالة من الغضب الشعبي تجاه الدولة.
أما بالنسبة للشعوب غير الفارسية، مثل البلوش والأكراد والعرب في الأحواز، فقد عانت بحسب هذا الطرح، من التهميش منذ تأسيس الدولة الإيرانية الحديثة، وحتى قبل الثورة الإسلامية في إيران. ففي عام 1925، دخلت القوات الإيرانية إلى الأحواز، وتم اعتقال حاكمها خزعل الكعبي ونقله إلى طهران، حيث انتهى به المطاف مقتولًا. وكذلك في بلوشستان عام 1928، بعد صراع دام، تم اعتقال الحاكم دوست محمد البلوشي ونقله أيضا إلى طهران، حيث أُعدم لاحقا.
في السياق الكردي، تم القضاء على أول كيان كردي حديث، وهو جمهورية مهاباد، حيث اعتُقل رئيسها قاضي محمد وأُعدم عام 1947. وتُطرح هذه الأحداث كجزء من سلسلة طويلة من الصراعات التي رافقها وفق هذا الرأي، فرض اللغة الفارسية وتهميش اللغات والثقافات الأخرى، واعتبار هذه المكونات مواطنين من الدرجة الثانية، مع تعرض ثقافاتهم للسخرية أو الإقصاء.
كما شهدت مناطق مثل بلوشستان والأحواز وكردستان احتجاجات وانتفاضات متكررة، قوبلت في كثير من الأحيان بالقمع، وسُجلت فيها حالات إعدام ومواجهات دامية. وتُستخدم هذه الخلفية التاريخية لتفسير مواقف بعض الفئات اليوم، حيث يرى جزء من الشعوب غير الفارسية، إلى جانب بعض الإيرانيين، أن هذه الحرب قد تمثل فرصة للتغيير الجذري أو للخلاص من النظام الحالي. في المقابل، يرى كثير من الفرس أن الهدف هو تغيير النظام السياسي دون المساس بوحدة الدولة.
في ظل هذه الظروف، تبدو الحرب الحالية وكأنها أضعفت النظام، ووضعت إيران في حالة من الهشاشة السياسية والإقليمية، خاصة فيما يتعلق بدورها في المنطقة وموقعها الاستراتيجي، مثل مضيق هرمز. وإذا استمرت الأوضاع على هذا النحو، فإن التحدي الأكبر قد لا يكون خارجيا فقط، بل داخليا أيضا.
المرحلة القادمة قد تشهد صراعا داخل إيران نفسها: بين التيارات الفارسية حول من سيتولى الحكم بعد النظام الحالي، وبين تطلعات القوميات غير الفارسية التي ترى في هذه اللحظة فرصة تاريخية لتقرير مصيرها، سواء بإنشاء دولة مستقلة أو الحفاظ على هويتها الثقافية واللغوية عبر الحكم الذاتي .
خلاصة القول، إن ما يحدث اليوم ليست حربا عابرة، بل نتيجة تراكمات طويلة من التوترات السياسية والاجتماعية. وهذه التطورات تشير إلى أن إيران، بعد هذه الحرب، قد لا تعود كما كانت من قبل.