ناجون بحرب داخلية صامتة ووجوه غريبة

17 March 2026
بندوب لا تُرى: كيف تعيد الحرب صياغة الإنسان؟
بندوب لا تُرى: كيف تعيد الحرب صياغة الإنسان؟
lubna.awayda@gmail.com
لبنى عويضة
تابع الكاتب عبر :

لا تنتهي الحرب مع توقف دويّ القذيفة، بل تبدأ رحلتها الأقسى في اللحظة التي تليها. هناك، حين يهدأ الخارج، تبدأ المعركة الحقيقية في الداخل؛ تسكن في نظرات العيون، تتسلل إلى الذاكرة، وتعيد تشكيل تفاصيل الحياة التي فقدت أمانها إلى الأبد. في جوهرها، ليست الحرب مجرد صراع جغرافي، بل عملية قسرية من "الهدم وإعادة البناء" تطال الإنسان نفسه. ففي مناطق النزاع، يتحول الخوف من رد فعل غريزي إلى حالة بيولوجية دائمة؛ يدخل الجسد في استنفار مفرط (Hyperarousal)، وتبقى هرمونات التوتر في ذروتها، ما يعطّل قدرة العقل على التمييز بين الخطر الحقيقي والمحتمل. 

ومع تراكم هذه الحالة، لا يعود الأمر قلقاً عابراً، بل يتطور إلى اضطراب ما بعد الصدمة (Post-Traumatic Stress Disorder)، حيث لا يتذكّر الإنسان الحرب كحدث مضى، بل يعيشها كحاضر مستمر وتتشكل عبر أصوات تقتحمه فجأة، صور تتكرر، وجسد يتفاعل كما لو أن الكارثة لم تنتهِ بعد. هذا الإنهاك العصبي لا يبقى محصوراً في لحظات التوتر، بل يتسرّب إلى أبسط تفاصيل الحياة. الليل، الذي يُفترض أن يكون مساحة للراحة، يتحول إلى ساحة للأرق والكوابيس، ضمن ما يُعرف بـ اضطرابات النوم (Sleep Disorders). ومع الوقت، يتراكم التعب ليخلق فجوة بين الإنسان وواقعه حيث يبدأ التراجع في التركيز، فقدان للشغف، وإحساس دائم بعدم الأمان. 

ومع استمرار هذا الضغط، تتشكل طبقات أعمق من التآكل النفسي. يتسلل الاكتئاب (Major Depressive Disorder) بهدوء، لا كحزن واضح، بل كفراغ داخلي وفقدان للمعنى، بينما يتمدّد القلق (Anxiety Disorder) كظل دائم يرافق كل تفصيل يومي. وهنا يدخل الإنسان في حالة من التوتر المزمن (Chronic Stress)، حيث لا يعود التهديد حدثاً طارئاً، بل واقعاً مستمراً ينهك النفس والجسد معاً. 

اجتماعياً، يظهر ما يمكن تسميته بـ “الانكفاء الدفاعي”. اذ لا ينسحب الأفراد لأنهم يريدون العزلة، بل لأنهم يعجزون عن ترجمة فوضى مشاعرهم إلى كلمات. تتآكل العلاقات تحت ضغط التوتر اليومي، وتضيق مساحات التفاهم داخل العائلة، فيما تتسع فجوة الصمت. وهكذا، تتشكل "عزلة الناجين" وهي شعور بالوحدة لا يسببه غياب الناس، بل استحالة التواصل الحقيقي معهم. أما الأطفال، فهم الأكثر هشاشة في هذه المعادلة؛ يمتصون خوف الكبار دون امتلاك أدوات فهمه، فينشأون داخل بيئة يختلط فيها اللعب بالحذر، والطفولة بقواعد النجاة، يكبرون بسرعة، لكن بشكل مشوّه، حاملين معهم بذور القلق والخوف إلى مراحل لاحقة، وكأن الحرب تستمر داخلهم حتى بعد أن تتوقف ميدانياً. 

ولا تكتمل الصورة دون فهم الترابط العميق بين الانهيار الاقتصادي والصحة النفسية. فالحرب لا تُقاس فقط بعدد القذائف، بل أيضاً بقدرة الإنسان على العيش بكرامة. فحين يعجز الفرد عن تأمين أساسياته، لا يخسر المال فقط، بل يخسر شعوره بالقيمة والسيطرة. هنا، يتحول الضغط المعيشي إلى حالة من القلق الوجودي (Existential Anxiety)، حيث يصبح "الغد" نفسه مصدر تهديد دائم. والجسد بدوره لا يفرّق بين خطر القذيفة وخطر الجوع؛ كلاهما يطلق الاستجابة ذاتها، ما يؤدي إلى تراجع المناعة، آلام مزمنة، وإرهاق مستمر—كأن الجسد يصرخ بما لم يعد العقل قادراً على احتماله. 

حتى أولئك البعيدون عن خطوط النار، لا يقفون خارج دائرة التأثير. في زمن الشاشات المفتوحة، تظهر "الصدمة غير المباشرة" (Vicarious Trauma) وقلق الترقب (Anticipatory Anxiety)، حيث يعيش الأفراد الحرب من خلال الأخبار والصور، ويقعون في فخ الانتظار الدائم. هذا الاستنزاف العصبي يقود إلى أنماط مشابهة من الاكتئاب (Major Depressive Disorder) واضطرابات القلق (Anxiety Disorders)، وإن اختلفت مصادرها. 

هكذا، لا تترك الحرب أحداً "ناجياً". فبينما تحصد القذائف الأرواح في الجبهات، يحصد الخوف والفقر وانعدام الأمان الاستقرار النفسي في كل مكان. إنها حرب شاملة على الإنسان، لا تنتهي بتوقيع اتفاق، بل تستمر داخل من عاشها، وتعيد تشكيله بصمت. إذن، قد تُغلق ملفات الحروب سياسياً، لكن آثارها النفسية لا تلتزم بأي هدنة. المأساة الحقيقية ليست فقط في عدد الضحايا، بل في جيوش الناجين الذين بقوا على قيد الحياة، لكنهم لم ينجوا فعلياً. فترميم الإنسان من الداخل، يبقى المعركة الأطول والأصعب.