التعديل الحكومي في ليبيا
لم يكن التعديل الحكومي الذي أعلن عنه رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة مجرد خطوة إدارية لسد الشواغر داخل الحكومة، بل بدا أقرب إلى محاولة سياسية لإعادة ترميم سلطة تواجه تآكلًا متزايدًا في شرعيتها وقدرتها على إدارة التوازنات داخل العاصمة وخارجها.
اللقاءات السياسية التي سبقت الإعلان عن التعديل، وما تضمنته من تسويات وترضيات، كشفت عن تحولات واضحة في شبكة التحالفات داخل الغرب الليبي. خصوم الأمس أصبحوا حلفاء اليوم، وقوى كانت على هامش السلطة عادت لتجد موقعا داخل المعادلة الحكومية. غير أن هذه التحولات لا تعكس بالضرورة استعادة حقيقية للثقة، بقدر ما تعكس محاولة اضطرارية لإعادة تجميع مراكز القوة حول حكومة تواجه تحديات متزايدة.
من الناحية السياسية والقانونية، لا تزال حكومة الدبيبة تواجه إشكالية الشرعية بعد تعثر المسار الانتخابي الذي كان يفترض أن ينهي المرحلة الانتقالية التي بدأت مع تشكيل الحكومة عام 2021 في إطار العملية السياسية التي رعتها الأمم المتحدة عبر بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا.
ومع استمرار الانقسام بين المؤسسات السياسية، خصوصا بين مجلس النواب الليبي والمجلس الأعلى للدولة، أصبحت الحكومة عمليا سلطة انتقالية ممتدة دون تفويض سياسي متجدد، وهو ما يضعف قدرتها على إعادة تشكيل المشهد السياسي أو فرض معادلات جديدة للسلطة.
لا يمكن فهم خطوة التعديل الحكومي دون قراءة دقيقة لخريطة النفوذ داخل العاصمة طرابلس، حيث لا تزال السلطة الفعلية موزعة بين عدة تشكيلات أمنية وعسكرية تمتلك قدرا كبيرا من الاستقلالية.
وسط العاصمة تبرز قوة الردع الخاصة كأحد أبرز الفاعلين الأمنيين، وهي قوة تمتلك نفوذا مؤثرا في مناطق حساسة مثل مطار معيتيقة وأجزاء واسعة من شرق المدينة، وترتبط علاقاتها مع الحكومة بدرجات متفاوتة من التوتر والتفاهم المرحلي. وفي المقابل تتوزع السيطرة في بقية المدينة بين تشكيلات أخرى أبرزها جهاز دعم الاستقرار وبعض التشكيلات المرتبطة بمدن الغرب الليبي، في حين تمثل مدينة الزاوية أحد مراكز الثقل العسكرية والاقتصادية المؤثرة في المعادلة السياسية غرب البلاد.
ورغم محاولات الحكومة إعادة بناء تحالفاتها داخل هذه المنظومة المعقدة، إلا أن معظم هذه التفاهمات تبدو حتى الآن تحالفات تكتيكية مؤقتة أكثر منها شراكات استراتيجية مستقرة.
خارج العاصمة، تتشكل خريطة النفوذ في الغرب الليبي عبر شبكة معقدة من المدن والقوى المحلية التي تمتلك تأثيرا سياسيا وعسكريا واقتصاديا.
مدن مثل مصراتة تمثل قاعدة سياسية وعسكرية تقليدية للدبيبة، لكنها في الوقت نفسه ليست كتلة موحدة بالكامل، إذ تتباين مواقف النخب السياسية والعسكرية داخلها تجاه مستقبل الحكومة.أما في الساحل الغربي، فتبرز مدن مثل الزاوية وصبراتة والزنتان كمراكز قوة مستقلة نسبيًا، غالبًا ما تتحرك وفق حساباتها المحلية أكثر من ارتباطها بمركز السلطة في طرابلس. وهذه الطبيعة الشبكية للسلطة في الغرب الليبي تجعل أي تحالف حكومي عرضة للتفكك السريع عند أول تضارب في المصالح.