لا تنتظر اكتمال الطريق

14 March 2026
a.q.aljamea@maysan.one
عبدالله الجامع
تابع الكاتب عبر :

في سنواتي الأولى، كنت أظن أن الطريق يبدأ فقط حين تكتمل الظروف المناسبة. كنت أعتقد أن أي بداية تحتاج إلى وضوح كامل، ورفقة جاهزة، وإشارة مؤكدة تخبرني أن اللحظة الصحيحة قد حانت. ولهذا السبب تأخرت كثيرا، من دون أن أدرك أنني كنت أؤجل حياتي بانتظار صورة مثالية لا تأتي غالبا كما نتخيلها.

كنت أراقب من حولي وهم يمضون في طرقهم، وأتساءل: كيف يبدؤون بهذه السهولة؟ كيف يملكون تلك الجرأة التي تدفعهم إلى الحركة رغم الغموض؟ وكان يبدو لي أن لديهم يقينا خاصا يفتقده غيرهم، أو أن الطريق يظهر لهم واضحا قبل أن يخطوا نحوه.

لكن مع مرور الوقت، بدأت ألاحظ حقيقة بسيطة غابت عني طويلا: الحياة لا تنتظر اكتمال الظروف، والطريق لا يظهر كاملا قبل البداية. كثير من الأشياء لا تتكشف إلا أثناء السير، وكثير من المعاني لا نفهمها إلا بعدما نتحرك.

أدركت حينها أن الخطوة الأولى لا تكشف الطريق فقط، بل تصنعه أيضا. فعندما يبدأ الإنسان، يحدث تغير هادئ في علاقته بالعالم. ما كان بعيدا يبدأ بالاقتراب، وما كان خفيا يبدأ بالظهور، ليس لأن العالم تبدّل فجأة، بل لأن الحركة نفسها تكشف ما لم يكن يُرى من مكان التردد.

كنت أظن أن الرفقة تسبق الرحلة، لكنني اكتشفت لاحقا أن الرحلة نفسها قد تجذب الرفقة المناسبة. هناك أشخاص لا يظهرون في حياتنا إلا عندما نتحرك نحو ما يشبهنا فعلا. وكأن الحياة تنتظر منا إشارة صغيرة تثبت أننا مستعدون للسير، ولو بخطوات مترددة.

بعدها فقط يبدأ العالم بالاستجابة. يظهر دعم لم يكن متوقعا، وتقترب فرص لم تكن مرئية، ونلتقي بأشخاص يشبهوننا لأننا بدأنا نقترب من أنفسنا.

من هنا فهمت أن الإنسان لا يحتاج إلى طريق مكتمل كي يبدأ، بل يحتاج فقط إلى شجاعة البداية. فالبدايات الصادقة تملك قدرة غريبة على استدعاء ما يناسبها، ومع كل خطوة تتشكل الملامح أكثر، ويتضح الاتجاه شيئا فشيئا.

منذ ذلك الفهم، لم أعد أنتظر اكتمال الصورة. صرت أؤمن أن الحياة لا تُفتح أبوابها لمن يقف طويلًا أمامها، بل لمن يقترب منها بخطوة أولى. فالخطوة الصادقة، مهما كانت صغيرة، لا تغيّر اتجاه الإنسان فقط، بل تغيّر أيضا العالم الذي يلتقي به في الطريق.