أجنحة الحروف في وطن مسجون

18 March 2026
suhaibalmyahi24@gmail.com
صهيب المياحي
تابع الكاتب عبر :

أنا يمني، حياتي مقسَّمة بين شمالٍ وجنوب، وأحتاج إلى كثيرٍ من الحبر لأكتب عن الواقع الذي نعيشه. لا يوجد موضوعٌ واحد يمكن الإمساك به؛ فكل شيءٍ متشظٍ، والوجع يتوزع على الجغرافيا والناس والذاكرة. ما يحدث هنا لا يُختزل في سطور، ولا تكفيه أوراق، ولا تستوعبه الكلمات القليلة. 

كل يومٍ يحمل قصة جديدة من التعب، وكل حكاية تفتح أبواباً لحكايات أخرى أعمق وأشد قسوة. في بلادي يتصارع الأعمى ولا يجد نظَّارةً ليبصر. ضجيجٌ كبير يملأ المكان، وخلافات لا تنتهي، وصراع يلتهم المعنى ويترك الناس في المنتصف. هناك أناس يقبعون في المعتقلات، جريمتهم الوحيدة أنهم قالوا كلمة، أو كتبوا رأيًا، أو حاولوا أن يصفوا ما يحدث حولهم. لكأنَّ القلم جريمة، بل وكأنَّ الحقيقة تهمة ثقيلة.

تمتلئ الزنازين بأصواتٍ لم يُسمح لها أن تكتمل، وبحكاياتٍ توقفت عند منتصف الجملة. أمهات ينتظرن أبناءهن عند الأبواب، وآباء يحدّقون في الطرقات الطويلة على أمل أن يعود الغائبون. سنوات تمضي والقلق يرافق العائلات، والوجوه تزداد تعباً من الانتظار، والقلوب تُرهقها الأسئلة التي لا تجد إجابة.

في المنفى، يجلس مسؤولون كثيرون حول طاولات السياسة، يتحدثون عن الوطن كما لو كان خريطة قابلة للقسمة. تُعقد الاجتماعات، وتُكتب البيانات، وتتبدل المواقف، فيما الناس في الداخل يواجهون أيامهم الثقيلة وحدهم. قرار حياتنا معلَّق في الخارج، والمصائر تُناقش بعيدًا عن الأزقة التي تعرف وجوهنا، وعن البيوت التي أنهكها الخوف.

في الداخل، الحياة تضيق شيئاً فشيئاً. الماء شحيح، والناس يتقاسمون القليل الذي يصلهم. التعب حاضر في تفاصيل اليوم؛ في طوابير طويلة، في وجوهٍ أنهكها الانتظار، في أحاديث تدور حول أبسط الحقوق التي تحولت إلى أمنيات. 

في بلادي جماعةٌ ضالّة تريد أن تملك رقابنا جميعاً، وتريدنا عبيداً لها، وتضع نفسها في مقام السادة. جماعة تخشى الكلمة الحرة، وتخاف من القلم لأنه يكشف ما تريد إخفاءه. لذلك تحارب الكتابة، وتكمم الأفواه، وتراقب الهمسات كما لو كانت خطراً كبيراً.

باتت الكلمة مخاطرة، والحديث عن الواقع فعلاً قد يقود صاحبه إلى الغياب. تُمنع من رؤية أمك وأهلك لأنك كتبت عما يحدث، ويغدو الشوق للأهل جزءاً من العقاب. يتحول الحنين إلى عبءٍ ثقيل، وتصبح الزيارة حلماً بسيطاً يصعب الوصول إليه. هكذا تتكاثر الجدران حول الإنسان في هذا الوطن؛ جدران الخوف، وجدران الصمت، وجدران السجون.