ليبيا والاقتصاد الريعي: النفط الذي لم يُثمر

01 October 2025
osamakv@yahoo.com
أسامة ابوبكر الصافي
تابع الكاتب عبر :

تمثل ليبيا اليوم نموذجا صارخا لما تسميه الأدبيات الاقتصادية بـ"الاقتصاد الريعي الدفاعي"، حيث تُوظَّف عوائد النفط ليس كأداة تنموية بل كوسيلة لشراء الولاءات، وتسكين الأزمات وتأجيل الإصلاحات. في هذا النموذج، لا يُدار النفط كرافعة تدفع الدولة نحو التقدم بل يُستخدم كعكاز يثبّتها من السقوط، لكنه لا يمكّنها من المضي قدما. 

والأخطر في اعتقادنا، أن هذا النمط قد دفع ليبيا نحو "المصيدة الريعية"، وهي مرحلة يصبح فيها الخروج من الاقتصاد الريعي شبه مستحيل، إذ لم يعد الاعتماد على الريع مسألة مالية فقط، بل تحوّل إلى واقع بنيوي وسياسي واجتماعي، الريع لم يعد مجرد مصدر دخل بل صار آلية لإدارة المجتمع وتثبيت الحكم، ما يجعل أية محاولة للتخلص منه تهدد الأسس التي يقوم عليها النظام بأكمله. 

في هذا السياق تتجلى هشاشة الاقتصاد الليبي بوضوح حين نتمعن في الأرقام: فالنفط يُشكّل نحو 94% من صادرات البلاد و97% من إيراداتها العامة وفقا لتقديرات البنك الدولي لعام 2024. هذه الأرقام تجسد بدقة مفهوم "متلازمة الاقتصاد أحادي المورد"، وهو الاعتماد البنيوي على سلعة واحدة كمصدر رئيسي للإيرادات، ما يجعل الاقتصاد عرضة بشدة لتقلبات أسعار هذه السلعة في الأسواق العالمية، وعندما تتحكم تقلبات الأسواق الخارجية بمصير الداخل يصبح الاستقرار المالي مجرد صدفة مؤقتة. 

رغم أن إنتاج النفط ارتفع بنسبة 35% في الربع الأخير من 2024 بعد حل أزمة مصرف ليبيا المركزي إلا أن الناتج المحلي النفطي انكمش بنسبة 6% بسبب انخفاض المتوسط السنوي للإنتاج وأسعاره. المفارقة ليست في الأرقام فحسب، بل في الخلل الجوهري الذي تكشفه: ارتفاع الإنتاج لم يعد يترجم إلى نمو حقيقي. فالريع يُستهلك بدلًا من أن يُستثمر، جلّ العائدات وُجهت إلى بند الأجور العامة بينما تراجع الإنفاق الرأسمالي بنسبة 77.8%، وكأن الدولة تستهلك حاضرها وتستدين من مستقبلها. 

في مواجهة العجز الإنتاجي فرضت الحكومة ضرائب على العملة الأجنبية، مما ساهم في رفع الإيرادات غير النفطية إلى 10% من الناتج المحلي. لكن هذه الحلول، رغم ضرورتها، تبقى في رأينا مؤقتة ولا تُبنى عليها استراتيجيات إنتاجية مستدامة. وحتى أرباح المصرف المركزي التي مثلت 3% من الإيرادات، لا تخلق قيمة اقتصادية حقيقية بل تُشكل عائدات مالية متذبذبة، لا تنمو مع الإنسان ولا تُستثمر في المؤسسات. 

أما القطاع الخاص فلا يزال مكبّلا تحت وطأة هيمنة الدولة وهيمنة الإنفاق العام على مفاصل الاقتصاد. في ليبيا صار ما يُعرف في الاقتصاد الكلي بـ"الإنفاق الطارد" واضحا: الدولة تهيمن على الموارد وتزاحم المستثمرين وتُقصي المبادرات الفردية. هكذا يُنتج اقتصاد بلا دينامية وسوق بلا روح تنافسية، وقطاع خاص لا يشغّل سوى 14% من القوى العاملة، والنتيجة اقتصاد قائم على الريع في الإيرادات، والاستيراد في الاستهلاك والتوظيف الحكومي في التشغيل، بينما يغيب الإنتاج الحقيقي تماما عن المشهد. 

السؤال الذي نطرحه هنا: ماذا بعد؟ هل يكفي رفع الإنتاج إلى 1.4 مليون برميل يوميا وربما إلى 1.6 مليون كما تخطط المؤسسة الوطنية للنفط؟ إذا لم تُترجم هذه الكميات إلى استثمارات إنتاجية حقيقية، فإنها لن تكون أكثر من أرقام جديدة في جداول التقلبات العابرة، لا أكثر. 

هنا تستحق التجربة النرويجية أن تُستحضر، لا لمجرد المقارنة بل لفهم ما يمكن أن يكون عليه المستقبل عندما تتوفر الإرادة السياسية والبنية المؤسسية الصلبة، فالنرويج رغم امتلاكها احتياطات نفطية ضخمة، رفضت منذ البداية تحويل ثروتها إلى ريع سياسي أو أداة استهلاكية عابرة. أنشأت صندوقا سياديا ضخما مستقلًا عن الحكومة، يُدار وفق قواعد صارمة تمنع ضخ العائدات في الاقتصاد المحلي بشكل مباشر، ما حافظ على استقرار الاقتصاد وأمن للأجيال القادمة. 

استثمرت النرويج في التعليم والإدارة والشفافية وبناء مؤسسات تتجاوز النفط كشرط وجود، بل تجعل منه مجرد مرحلة تمويلية في مسار تنموي أوسع، وبهذه الرؤية استطاعت النرويج الخروج من "متلازمة الاقتصاد أحادي المورد، وتفكيك النمط الدفاعي للريعية"، قبل أن يتجذر في الدولة والمجتمع. 

على الجانب الآخر، تبرز رواندا كدولة لم تمتلك نفطا أو غازا، لكنها اختارت كسر نمط متلازمة الاقتصاد أحادي المورد عبر تنويع اقتصادها بذكاء، من خلال الاستثمار في الزراعة الحديثة، وقطاع الخدمات، والصناعات الخفيفة، والانفتاح على التقنيات الرقمية حتى أصبحت تعرف بـ "سنغافورة إفريقيا"، في الوقت ذاته واجهت ما يُعرف بـ"الإنفاق الطارد" عبر تمكين القطاع الخاص وتوفير بيئة أعمال تنافسية وتشجيع المبادرات الفردية بدلا من مزاحمتها، رواندا لم تنتظر ثروة تأتيها من الأرض بل صنعت ثروتها من خلال الإنسان، العقل، والمؤسسات. 

ليبيا اليوم لا تحتاج إلى معجزة بل إلى قرار. قرار أن الريع ليس قدرا والتغيير لا يبدأ من حجم البرميل بل من جودة الإدارة. لا يكفي أن يتدفق النفط؛ الأهم هو كيف يُدار وكيف يُحوّل من مال سريع الزوال إلى أفق بعيد المدى. الخروج من "المصيدة الريعية" يبدأ حين نكفّ عن استخدام النفط كأداة تأجيل ونبدأ في تحويله إلى منصة انطلاق، حين نُعيد الاعتبار للتعليم ونبني المؤسسات لا الأجهزة، نحرر الاقتصاد من عقدته الريعية، وعندها فقط يُمكن لليبيا أن تتحول من دولة تستهلك الوقت إلى دولة تصنعه.