حرب الأبعاد المتعددة وتوزيع الأثمان
في الثامن والعشرين من فبراير 2026، انطلقت من قواعد جوية وبحرية في المنطقة قرابة تسعمائة غارة جوية خلال اثنتي عشرة ساعة متواصلة، مستهدفةً منظومات الدفاع الجوي الإيراني، والبنية التحتية النووية، والقيادات العسكرية والسياسية العليا. هذه العملية العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، التي أُطلق عليها إسرائيلياً اسم "زئير الأسد" وأمريكياً "الغضب الملحمي"، أسفرت في ضربتها الافتتاحية عن اغتيال المرشد علي خامنئي داخل مقر إقامته في طهران، وأعلنت معها السلطات الإيرانية الحداد الوطني لأربعين يوماً. وقد أدخل هذا الحدث المفصلي منطقة الشرق الأوسط في مسار تصعيدي غير مسبوق، متجاوزاً قواعد الاشتباك التقليدية التي حكمت الصراع لعقود طويلة.
لا يمكن استيعاب هذا المشهد المتشعب بالاكتفاء بالتحليل العسكري والسياسي البحت؛ فما يجري اليوم هو مواجهة متعددة الطبقات تتشابك فيها الجغرافيا السياسية مع العقائد الدينية، والاقتصاد العالمي مع القانون الدولي. لفهم أعمق وأشمل، ينبغي تفكيك المشهد عبر عدة أبعاد رئيسية تسلط الضوء على جذور الأزمة ومآلاتها.
في البعد العقائدي، يكمن الجانب الأكثر خطورة وغموضاً في هذا الصراع، إذ يكشف أن المواجهة تتجاوز الخلاف الجيوسياسي حول البرنامج النووي أو موازين القوى، لتصل إلى صراع يستمد طرفاه شرعيتهما من مرجعيات دينية متعارضة. وما يجعل هذه الحرب استثنائية هو التوظيف المتعمد للرمزية الدينية لتحويل نزاع سياسي قابل للحل دبلوماسياً إلى "حرب مقدسة" لا تقبل التسوية.
في الجانب الإسرائيلي يمثل استدعاء رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو للنصوص التوراتية نموذجاً صارخاً لهذا التوظيف في الخطاب السياسي، وقد تجلى ذلك بوضوح في توقيت الهجوم الذي تزامن مع ليلة "عيد المساخر" (البوريم) اليهودي، وهو العيد الذي يُحيي ذكرى خلاص اليهود من مؤامرة "هامان" الفارسي قبل نحو خمسة وعشرين قرناً. كما أن تسمية العملية بـ"زئير الأسد"، وإطلاق اسم "سفر التكوين" على أسراب الطائرات المنفذة، يؤكد أن هذا المنحى العقائدي مُصمَّم بعناية لتجاوز الروادع الأخلاقية والقانونية.
في المقابل، يستند النظام الإيراني إلى مفهوم "ولاية الفقيه" الذي يُضفي على المرشد الأعلى سلطةً دينيةً وسياسيةً مطلقة تعلو على سلطة الدولة. ويُقدّم هذا المفهوم الصراعَ مع إسرائيل والولايات المتحدة باعتباره "جهاداً دينياً" ضد "الشيطان الأصغر" و"الشيطان الأكبر". ولذلك، فإن اغتيال خامنئي لا يمثل مجرد ضربة عسكرية لمركز القرار، بل يُشكّل زلزالاً وجودياً يختبر متانة هذا المفهوم العقائدي وشرعية النظام الروحية أمام قواعده الشعبية.
على المستوى الاستراتيجي، تختلف حرب 2026 جوهرياً عن المواجهات السابقة في طبيعتها وأهدافها، فلعقود خلت أُدير الصراع بالوكالة عبر ما بات يُعرف بـ"حرب الظل"، من خلال ما أسمته طهران "محور المقاومة". غير أن سلسلة الأحداث المتلاحقة بين عامَي 2023 و2025 أفضت إلى تراجع حاد في قدرات هذا المحور وتآكل بنيته التنظيمية في غزة ولبنان واليمن والعراق. وقد ترك هذا الانكشاف الاستراتيجي المتراكم إيرانَ مكشوفة الظهر، وهدفاً مباشراً للآلة العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية. كما أن الأهداف المُعلنة للحرب شهدت تحولاً جذرياً؛ فبعد أن كانت تهدف إلى تقليم القدرات العسكرية الإيرانية ضمن منطق "الردع المتبادل"، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب صراحةً في 6 مارس 2026 أنه لن يقبل أي تسوية مع طهران دون "استسلام غير مشروط"، وهو مصطلح يُحيل في التاريخ الدبلوماسي إلى نهاية الحروب الكبرى لا إلى إدارة الأزمات الإقليمية.
في المشهد "الجيواقتصادي" الإقليمي، وأمام هذا الحصار الاستراتيجي الخانق، اختارت إيران الرد عبر استراتيجية غير متكافئة تقوم على مبدأ "توزيع الأثمان"، إذ وجّهت ثقلها العسكري نحو دول الخليج العربي بصورة تفوق بكثير ما وجّهته نحو الأراضي الإسرائيلية. ووفقاً لأحدث التقارير الرسمية الصادرة في 7 مارس 2026، بلغ إجمالي الهجمات الإيرانية المباشرة أكثر من 2,756 صاروخاً وطائرة مسيّرة استهدفت سبع دول عربية. وقد كشفت هذه الهجمات عن نمط استراتيجي يمكن تصنيفه إلى 3 فئات رئيسية بناءً على شدة التعرض:
الفئة الأولى، وهي الأكثر تعرضاً للضربات، تمثلت في دولة الإمارات التي تعرضت وحدها لنحو 1,534 هجوماً. ورغم نجاح الدفاعات الجوية في اعتراض ما يقارب 94% من الطائرات المسيّرة و92% من الصواريخ الباليستية، إلا أن الهجمات أسفرت عن 3 قتلى و112 جريحاً. وقد ركزت هذه الهجمات على أهداف مدنية واقتصادية في محاولة واضحة لإرهاق الدفاعات الجوية وزيادة التكاليف الاقتصادية على نموذج تنموي يعتمد بشكل كبير على القطاعات غير النفطية.
الفئة الثانية، ذات المستوى المتوسط من التعرض، شملت دولة الكويت التي رصدت 632 هجوماً، ومملكة البحرين بـ 234 هجوماً، ودولة قطر بأكثر من 183 هجوماً. وقد ركزت هذه الهجمات بشكل واضح على القواعد العسكرية الأمريكية، مما يؤكد أن الوجود العسكري الأجنبي كان عاملاً رئيسياً ومحفزاً في عملية الاستهداف والتصعيد الميداني.
الفئة الثالثة، ذات المستوى المنخفض، ضمت المملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان، حيث ساهم عدم وجود قواعد أمريكية والقوة العسكرية الرادعة للسعودية والحياد الدبلوماسي النسبي لعُمان في تقليل حدة الاستهداف المباشر.
من منظور القانون الدولي العام، تُثير العمليات العسكرية الاستباقية ضد دولة ذات سيادة واغتيال رأس هرمها السياسي إشكاليات قانونية بالغة التعقيد. فالمادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة تُحظر صراحةً استخدام القوة في العلاقات الدولية، ولا تُجيزه إلا في حالات الدفاع الشرعي أو بتفويض أممي. وقد وصف عدد من فقهاء القانون الدولي اغتيالَ رئيس دولة ذات سيادة بأنه انتهاك صارخ لمبدأ الحصانة السيادية، مما يهدد بتقويض الأسس المعيارية للنظام الدولي.
داخلياً، تواجه الأطراف الثلاثة تحديات بنيوية تزيد من ضبابية المشهد؛ فأمريكا تخوض هذه الحرب في ظل انقسام داخلي حاد وتصاعد المعارضة الشعبية لـ"الحروب الأبدية". أما إسرائيل، فرغم تفوقها العسكري، تعاني جبهتها الداخلية من إرهاق متراكم ومخاوف من تحول الدولة إلى "ثكنة عسكرية" دائمة تستنزف طاقاتها.
في الجهة المقابلة، تعاني إيران من أزمة شرعية واقتصاد منهار وفراغ قيادي غير مسبوق. إن مقتل خامنئي يضع النظام أمام استحقاق دستوري معقد لتعيين مرشد جديد في ظل حرب مفتوحة وتصاعد النفوذ المستقل للحرس الثوري. ويطرح هذا الفراغ تساؤلات ملحة حول مستقبل السياسة الخارجية الإيرانية، خاصة بعد أن أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي رفض بلاده القاطع لأي تفاوض أو وقف لإطلاق النار. ورغم ذلك، برز تطور لافت في 7 مارس عندما أعلن الرئيس مسعود بزشكيان في خطاب متلفز وقف الهجمات على الدول المجاورة ما لم تنطلق منها هجمات، مما قد يفتح كوة صغيرة في جدار التصعيد.
إن المنطقة تقف اليوم على شفا تحول "جيوستراتيجي" ومفتوح على سيناريوهات متعددة، تتراوح بين صعود قيادة إيرانية أكثر تشدداً تنبثق من رحم الحرس الثوري، أو حدوث انتقال سياسي مضطرب، أو السيناريو الأكثر رعباً المتمثل في تفكك الدولة وانزلاقها نحو فوضى شاملة. وفي ظل تصاعد الخطاب التوسعي الإسرائيلي والتشابك المعقد بين العقائدي والسياسي والقانوني، يصبح من الواضح أن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في أعداد الضحايا والصواريخ، بل في التأطير العقائدي الذي يُضفي على الحرب طابع الواجب الديني المقدس، جاعلاً من كل تسوية ممكنة خيانةً للإله والتاريخ. إن دول المنطقة مدعوة اليوم إلى بلورة منظومة أمنية إقليمية مستقلة تقوم على توازن المصالح واحترام مبادئ السيادة والتعايش، بعيداً عن الارتهان الكامل للمظلات الخارجية التي أثبتت الأحداث أن حساباتها قد تتقاطع أحياناً، بل وتتعارض، مع متطلبات الاستقرار الإقليمي الدائم.