لماذا كل هذا الاهتمام الدولي بالذكاء الاصطناعي؟
لا أعتقد أن تقنية ما حظيت بهذا القدر من الاهتمام كما حظيت به تقنية الذكاء الاصطناعي، وهذا يدفعنا إلى التساؤل عن الأسباب. هذه التقنية أكبر من "شات جي بي تي"، وهي عنصر أساسي في كل المجالات، من التعليم إلى الصحة ومن الاقتصاد إلى الدفاع، وبالتالي لا يمكن تجاهل تأثيرها على حياتنا.
في شهر فبراير (شباط) الماضي استضافت العاصمة الهندية نيودلهي قمة حول تأثير الذكاء الاصطناعي، شارك فيها عدد من قادة العالم من بينهم، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والبرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، إلى جانب عدد من الرؤساء التنفيذيين لشركات الذكاء الاصطناعي بينهم رئيس "أوبن إيه آي" سام ألتمان، ورئيس "أنثروبيك" داريو أمودي.
يقول الموقع الإلكتروني للقمة إن "الذكاء الاصطناعي يقف على أعتاب إعادة تشكيل الحضارة الإنسانية، حيث يسهم في توسيع حدود ما يمكن للبشر تحقيقه، وتوفر هذه الثروة التقنية فرصاً غير محدودة للتطور في شتى المجالات الإنسانية، لكنها في الوقت نفسه تطرح تحديات عميقة تمس البنى الاجتماعية والسياسية".
إن ما تقدم من نبذة تعريفية عن الذكاء الاصطناعي يعطينا لمحة سريعة عن القوة الجبارة الكامنة فيه، لذلك باتت قمم الذكاء الاصطناعي تظهر كثيراً في الأخبار، ولحسن الحظ خصصت دول عربية قمماً دورية لهذه التقنية، كما أنها صارت بنداً ثابتاً في كل الاجتماعات الدولية حتى تلك المغرقة في الشؤون السياسية والعسكرية.
لقد حاولت دراسة أكاديمية الإجابة عن سؤال هذا المقال. نشرت الدراسة عام 2021، في مجلة "التحليل الاقتصادي والسياسات" التي تصدر في أستراليا. تقول الدراسة إن الاهتمام الدولي بالذكاء الاصطناعي بدأ عملياً منذ 2015، إذ بدأت الدول في إعداد استراتيجيات وطنية لهذه التقنية، وأرجعت هذه الدراسة الاهتمام الدولي لكون الذكاء الاصطناعي "عنصرا حاسما في الهيمنة الاقتصادية والعسكرية".
أوردت الدراسة نفسها أن الصين خصصت 12 مليار دولار للذكاء الاصطناعي في 2017، لكن مضى زمن طويل منذ ذلك العام وتاريخ نشر الدراسة، ومن المهم هنا توضيح ما الذي تغير عبر السنين، فقد أظهرت أرقام حديثة أن الصين خصصت في 2025 بالحد الأدنى 84 مليار دولار لهذه التقنية، وفق تقديرات "بنك أوف أميركا"، وهذا الرقم الضخم الذي يتجاوز ميزانية دول بأكملها يظهر اهتماماً هائلاً من قبل بكين بالذكاء الاصطناعي.
ويمكن فهم هذا الإنفاق الضخم بأنه جزء من استراتيجية الصين لتصبح دولة رائدة في الذكاء الاصطناعي بحلول 2030، والدوافع وراء ذلك عديدة من بينها الدوافع الاقتصادية، فالنمو السكاني بطيء وتكاليف العمالة ارتفعت، لذلك تراهن الصين على هذه التقنية لرفع الناتج الإجمالي المحلي بنسبة 26 في المئة بحلول 2030، بحسب الاستراتيجية نفسها. إذن الذكاء الاصطناعي يحل مشكلة ويزيد الأرباح لدى بكين.
أسباب إيلاء الدول عناية كبرى بالذكاء الاصطناعي تشمل أيضاً قدرته على محاكاة البشر في مهام تحليل البيانات واتخاذ القرارات، وتأثيره الضخم على سوق العمل بإنهاء وظائف عبر أتمتتها واستحداث أخرى، والسرعة الكبيرة في تطوره، فقفزاته سريعة للغاية وما بدا حلم يستغرق ألف عام صار حقيقة خلال 75 عاماً، كما ذكرنا في مقال سابق عن توقعات الأديب المصري الراحل إحسان عبد القدوس بالنسبة لسيطرة الآلة.
هناك دافع يحظى بأولوية قصوى لدى الدول، وهو الدافع السياسي-العسكري، إذ ظهر مصطلح الذكاء الاصطناعي السيادي، ويعني السيطرة المطلقة للحكومة على البيانات والنماذج والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي على نحو مستقل تماماً عن المصادر الخارجية.
لاحظوا وصل تأثير الذكاء الاصطناعي إلى حد الخشية من تضرر الأمن السيبراني وفقدان الهوية الوطنية، وهل هناك عامل ضاغط أكثر من هذا للاهتمام بالذكاء الاصطناعي؟