العبودية البيضاء: الوجه المنسي للرق في المتوسط
حين يُذكر مصطلح "العبودية" تقفز إلى الذهن مباشرة صورة تجارة الرقيق الأفارقة عبر الأطلسي، حيث سيق ملايين البشر إلى المزارع في الأميركيتين. غير أنّ هذه الصورة، على أهميتها، تحجب جانبًا آخر من التاريخ: العبودية البيضاء، التي امتدت من القرن الخامس عشر حتى مطلع القرن التاسع عشر في حوض البحر المتوسط.
في هذه الظاهرة، كان الضحايا أوروبيين والسادة مسلمين، اختطفهم القراصنة البربر من السواحل الإسبانية والإيطالية والفرنسية والإنجليزية، ونُقلوا إلى موانئ المغرب والجزائر وتونس. هناك عاشوا في ظروف قاسية من الأسر والعمل القسري، وأحيانا الاندماج القهري داخل المجتمعات المحلية. ورغم أن هذا الموضوع لا يزال هامشيا في الدراسات العربية، إلا أنّ مذكرات بعض الناجين، مثل البحار الإنجليزي توماس بيلو، تمثل شاهدا فريدا على معاناة إنسانية امتدت لعدة قرون وانتهت بعد دخول فرنسا إلى "ايالة" الجزائر.
ارتبطت العبودية البيضاء بسياق سياسي وعسكري واقتصادي متشابك. فقد شكّل سقوط الأندلس عام 1492 منعطفًا مهما في تاريخ المتوسط، إذ تصاعدت المواجهة بين الممالك المسيحية في أوروبا والدول الإسلامية في شمال أفريقيا وتحوّل البحر إلى ساحة صراع مفتوحة، برز فيها القراصنة البربر الذين اتخذوا من الجزائر وتونس وسلا المغربية قواعد رئيسية لشن الغارات على السواحل الأوروبية.
كانت الأسواق في الجزائر العاصمة و"سلا" المغربية تستقبل مئات الأسرى سنويا، حيث يُباعون علنًا مثل أية سلعة أخرى. يقدّر بعض المؤرخين أنّ ما بين 150 ألفا و300 ألف أوروبي وقعوا في الأسر خلال القرنين السادس عشر والثامن عشر، وكان هؤلاء يُستغلون في أعمال البناء وصناعة المدافع والبارود، والخدمة في قصور الحكام، إضافة لدمج بعضهم في الأساطيل البحرية.
هذا الوضع خلق حالة من الرعب في القرى الأوروبية الساحلية، إذ لم تكن الغارات تستثني أحدًا، رجالاً ونساءً وأطفالاً، وغالبا ما كان يتم خطفهم في الليل أو أثناء عملهم في الصيد، ليجدوا أنفسهم فجأة في أسواق شمال أفريقيا.
يمكن تفسير ظهور العبودية البيضاء بعدة عوامل مترابطة: أولها: الحروب والصراعات الدينية، حيث غذى العداء المسيحي - الإسلامي بعد سقوط الأندلس مشروعية خطف الأطفال باعتباره غنيمة حرب، وردا على ما تعرّض له المسلمون في إسبانيا، هناك كثير من الأسرى ربطوا معاناتهم بهذه الخلفية، ودوّنوا في مذكراتهم أن الأمر لم يكن مجرد قرصنة بل سياسة انتقامية. ثانيها: غارات القراصنة: كانت الغارات على السواحل الأوروبية شبه منتظمة، واستهدفت بشكل أساسي القرى الفقيرة غير المحمية، وكان القراصنة يختطفون الصيادين أو الأطفال أثناء اللعب على الشاطئ، فينقلونهم مباشرة إلى أسواق الرق في "سلا" أو الجزائر. ثالثها: الطلب على الأيدي العاملة: استُخدم الأسرى في مشاريع كبرى مثل بناء القصور الملكية في مكناس أو تشييد التحصينات العسكرية، فالسلطان مولاي إسماعيل اعتمد بشكل خاص على هؤلاء الأسرى في بناء قصره الضخم بمكناس. رابعها: الأزمات الاقتصادية الأوروبية: أدت ديون بعض الأفراد في أوروبا إلى بيع أنفسهم مؤقتاً، ما جعلهم عرضة للاسترقاق، وهؤلاء الذين هاجروا أو خدموا على السفن كانوا أكثر عرضة للوقوع في قبضة القراصنة. خامسها: التنظيم السياسي: لم تكن هذه الممارسات فردية، بل كثيرا ما دعمتها السلطات المحلية التي وجدت فيها مصدر دخل من خلال الفدية أو استغلال العمل القسري لتعزيز قوتها.
من بين الشهادات المتاحة، تبرز مذكرات البحار الإنجليزي توماس بيلو الذي اختُطف في بدايات القرن الثامن عشر على يد قراصنة بربر ونُقل إلى سلا. هناك قضى نحو عشرين عاما أسيرا قبل أن ينجح في الهرب ويعود إلى إنجلترا حيث دوّن تجربته.
يصف بيلو لحظة اختطافه كتحول جذري في حياته، إذ جرى اقتياده من سفينته ونقله إلى سلا، ومنها إلى مكناس حيث عُرض مع غيره من الأسرى أمام السلطان مولاي إسماعيل الذي كان معروفا بصرامته وقسوته، واستخدم آلاف الأسرى في جيشه وصناعة الأسلحة. عمل بيلو سنوات طويلة في مشاريع البناء الشاقة وصناعة المدافع والبارود، ويروي كيف كان الأسرى يتعرضون لمعاملة قاسية، من الجلد إلى التجويع، مع انعدام الأمل في الحرية وبعض الأسرى الأثرياء اشتروا حريتهم، بينما استسلم الفقراء لليأس.
وجد كثير من الأسرى أنفسهم مضطرين لاعتناق الإسلام، أحيانا طلبا لتخفيف المشقة، وأحيانا بحثًا عن فرصة للهروب، بيلو نفسه أبدى مرونة شكلية في هذا الجانب، دون أن يقطع تماما مع جذوره المسيحية. يظل الأسرى، حتى لو أسلموا، ينظر إليهم باحتقار، القليل منهم استطاع أن يرتقي اجتماعيا عبر إظهار مهارات خاصة أو إبداع في خدمة السلطان، أمّا الغالبية، فظلوا مجرد أيدٍ عاملة رخيصة، تتبدد أعمارهم بين الجدران الحجرية.
مع مرور الوقت، وجد بيلو نفسه مضطرا للاندماج في المنظومة الجديدة، فقد انخرط في عسكر السلطان، بل وشارك في الحملات العسكرية ضد القبائل البدوية، حيث عاش المفارقة المؤلمة بالتحول من ضحية إلى أداة للقمع، ويعترف في مذكراته بالصراع النفسي بين موقعه كأوروبي أسير وبين الدور المفروض عليه كسجان. جرّب بيلو مرات عدة أن يفر، لكن كل محاولاته فشلت، فالرقابة المشددة، وصعوبة الهروب عبر الصحراء أو البحر، جعلت الأمر شبه مستحيل، وعاش بين أمل خافت في الحرية وخوف دائم من العقوبة.
بعد عقدين من المعاناة، خطط بيلو للهروب عبر اتفاق سري مع قبطان هولندي، استغرقت مغامرته شهورا من التنقل والمخاطرة حتى نجح في الوصول إلى جبل طارق ثم إنجلترا. لم يحتفظ بيلو بتجربته لنفسه، بل نشر مذكراته بعد عودته إلى إنجلترا، كشف فيها تفاصيل دقيقة عن حياة الأسرى في المغرب، وعن شخصية مولاي إسماعيل ونظامه السياسي، كانت شهادته مزيجا من الفزع مما عاناه والإعجاب بقدرة نفسه على النجاة، وهذا التناقض الإنساني جعل نصه وثيقة فريدة لا تقتصر على الجانب التاريخي، بل تتجاوز إلى الجانب النفسي العميق، فهي لا تصف الأحداث فقط، بل تعكس مشاعر الخوف واليأس، والأمل والإصرار على النجاة.
تكشف تجربة بيلو أنّ العبودية لم تكن مجرد ظاهرة اقتصادية، بل جزءا من شبكة معقدة من العلاقات المتوسطية، فقد أبرزت هشاشة المجتمعات الأوروبية الساحلية أمام التفوق البحري المغاربي، وأكدت على دور الأسرى كأداة سياسية واقتصادية في يد السلاطين. في المقابل، ساهمت هذه الممارسات في تكوين صورة أوروبية سلبية عن المسلمين وهي صورة انعكست في الأدب والخطاب الديني والسياسي.
تمثل مذكرات توماس بيلو نافذة نادرة على واقع العبودية البيضاء في حوض المتوسط، إذ تكشف عن الوجه الإنساني للتجربة بعيدا عن الإحصاءات والأرقام، ومن خلالها ندرك أنّ العبودية لم تكن حكرا على لون أو قارة، بل مؤسسة عابرة للثقافات ارتبطت بالحروب والاقتصاد والسياسة، إن استعادة هذا التاريخ المهمل تتيح لنا فهما أعمق للتفاعلات بين أوروبا وشمال أفريقيا، وتدعونا إلى إعادة التفكير في معنى الحرية والعبودية في الذاكرة الإنسانية المشتركة.