صرخة الغراب المظلوم في مدينة الصمت
لست هنا بصدد الحديث عن حياة طائر، ولكن في زيارتي الأولى إلى حلب، بعد أيام قليلة من تحريرها وقبل سقوط النظام بفترة وجيزة، وقفت على أرضها التي اشتقت إليها بعد اثني عشر عامًا من الفراق. كانت المدينة التي طالما مثّلت لي رمزا للحب والعمل والنجاح، تعيش صمتا مطبقا وحركة سير خجولة، فيما يعيش الحلبيون بين الخوف والترقب لما قد تخبئه الساعات والأيام التالية لمعركة "ردع العدوان".
من المواقف التي تعكس حياة المواطن البسيط المشابهة لحياة الغراب في المدينة، هو مشهد أبو عبدو بائع الخضار المتجول، وليس بائع الفول الذي تشتهر به المدينة. كل صباح، يخرج أبو عبدو قبل الفجر، تماماً كالغراب الذي يستيقظ باكراً ليبحث عن رزقه، يدفع عربته الخشبية بين أزقة المدينة المزدحمة، والغراب ينتقل بين أسطح المنازل وأعمدة الكهرباء.
في سوق المدينة يقف أبو عبدو ساعات طويلة تحت الشمس والغبار، يراقب المارة بعينين حائرتين، كما يراقب الغراب الناس من فوق الأشجار باحثاً عن فتات الخبز، يكتفي أبو محمود ببيع القليل من الخضار ليؤمن قوت يومه لأولاده الخمسة، وعند المساء يعود إلى بيته المتواضع في أطراف المدينة، حيث ينام هانئاً رغم التعب، كما ينام الغراب على غصن شجرته بعد يوم طويل من البحث عن الرزق.
هذا التشابه يعكس قدرة الإنسان البسيط على التكيف مع ظروف المدينة القاسية، وصبره على مشاق الحياة، تماماً كالغراب الذي استطاع العيش والتأقلم في بيئة المدينة رغم كل التحديات.
أثناء تجوّلي في أحيائها شبه الخالية، كان لقائي بعدة أشخاص، وكان صوت الغراب دائما هناك، يصدح من فوق غصن شجرة قريبة أو في زاوية من الحديقة. صوته المميز كان يتداخل مع أحاديثنا، يجبرني على النظر إليه، ثم أنظر إلى ذلك العامل البسيط الذي كان مثل الغراب، يبحث عن قوت يومه.
نعم، إنها الحرب. لم تترك لذلك الغراب ما يأكله في مدينة انقسمت إلى طبقتين: طبقة مرتبطة بالنظام كانت، وطبقة غالبيتها جائعة تفتش عن الطعام.
لا أوافق من يتشاءم من رؤية الغراب الأسود أو يعتبره نذير شؤم، فهو طائر نافع يأكل الديدان وينظف الحديقة من بقايا الطعام. ولعل شكله غير الجذاب ولحمه المرّ هما ما أبقاه على قيد الحياة في هذه المدينة الصاخبة؛ فلو كان غير ذلك لكان طعاما شهيا على موائد الأثرياء.
إنه يعمل بجد، وشكله غير الجميل هو سبب كثرته ووجوده، ترجمت صرخاته في مخيلتي إلى كلمات تقول: "أنا هنا، موجود، وسأبقى وأتحمل".