"أليس" في مواجهة "هامبتي" تحت قبة الكونغرس
في لحظة تبدو كأنها خارجة من صفحات رواية "أليس في بلاد العجائب"، قاطعت النائبة الديمقراطية عن ولاية مينيسوتا إلهان عمر، المهاجرة الصومالية الأصل والمسلمة، خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمام الكونغرس في 24 فبراير 2026. صاحت مراراً في وجهه: "أنت قتلت الأمريكيين" و"أنت كاذب" و"يجب أن تخجل من نفسك"، بينما كان ترمب يتحدث عن سياسات الهجرة الصارمة.
هذا المشهد الدرامي، الذي انضمت إليه زميلتها النائبة عن ولاية ميشيغان رشيدة طليب، يبدو كأنه فصل من رواية خيالية، حيث تتحدى فتاة صغيرة (أو مهاجرة وصلت إلى الكونغرس) سلطة "الملك" في عالم مليء بالتناقضات والغرابة.
كتب تلك الرواية الإنجليزي الشهير لويس كارول، والذي كان أستاذاً في جامعة أكسفورد، وكاتباً هادئاً يعاني من تلعثم في الكلام، لكنه امتلك خيالاً جامحاً جعله يخترع عوالم غريبة مليئة بالمنطق المقلوب والسخرية من السلطة والمجتمع.
نشرت "مغامرات أليس في بلاد العجائب" عام 1865، مستوحاة من قصة رواها لفتاة صغيرة تدعى أليس ليدل أثناء نزهة على نهر، وسرعان ما تحولت إلى رمز للعالم الذي ينهار فيه كل ما يُفترض أنه "طبيعي" أو "منظم". في هذا العالم، يمكن لأي شخص، حتى الغريب أو الضعيف ظاهرياً، أن يصرخ في وجه الملك أو السلطة دون أن يُسحق فوراً، بل يستمر الجميع في اللعبة الغريبة.
هذا الحدث بالضبط ما يراه كثير من العرب اليوم في أمريكا: بلد مهاجرين يدعي الوحدة والحلم المشترك، لكنه يشهد مواجهات علنية صارخة تحت قبة الكونغرس، كأن الرئيس نفسه هو "هامبتي دمبتي" الجالس على حائط السلطة الرفيع، يتحدث بثقة مفرطة، وفجأة تقفز "أليس" (إلهان عمر) لتصرخ في وجهه، دون أن يسقط الحائط فوراً، بل يستمر المشهد في الغرابة والتشويق.
خطاب حالة الاتحاد هو مناسبة سنوية يقدم فيها الرئيس إنجازاته وخططه أمام الكونغرس والأمة. في 2026 ركز ترمب على الاقتصاد والضرائب وأمن الحدود، وهاجم الديمقراطيين بشدة في ملف الهجرة، مشيراً إلى "ملايين المهاجرين غير الشرعيين" والمدن التي أعلنت أنها مدن "متحصنة" يعتقد أنها تحمي المجرمين. وخصّ ولاية مينيسوتا (التي تمثلها عمر)، متهماً مجتمع المهاجرين الصوماليين بـ"نهب" مليارات الدولارات من دافعي الضرائب، ومكرراً اتهامات سابقة بأنهم "قراصنة" أو مرتبطون بفساد.
عندما دعا ترامب الحاضرين للوقوف إذا كانوا يؤيدون أولوية حماية المواطنين الأمريكيين على المهاجرين غير الشرعيين، وقف الجمهوريون وهتفوا، بينما بقي معظم الديمقراطيين جالسين في "احتجاج صامت" كما دعت قيادتهم.
هنا اندلعت الصرخات: عمر صاحت "لقد قتلت أمريكيين" مرات عدة، في إشارة مباشرة إلى حوادث قتل مواطنين أمريكيين (مثل اليكس بريتي ورنيه جوود) خلال عمليات إنفاذ الهجرة الفيدرالية في مينيسوتا الشهر الماضي، فرد ترمب بقوله إن الديمقراطيين "يجب أن يخجلوا من أنفسهم" وأنهم "يفوزون بالغش"، مما زاد من حدة المواجهة.
هذه ليست المرة الأولى التي يستهدف فيها الرئيس عمر؛ فقد وصفها سابقاً بـ"الكراهية" ودعا إلى "إعادتها" إلى الصومال. لكن المقاطعة المباشرة في قاعة الكونغرس كانت سابقة نادرة ومكثفة، حيث تحول الخطاب، الذي استمر أكثر من ساعة ونصف، إلى ساحة مواجهة شخصية.
وهذه أيضا ليست المرة الأولى التي يتم مقاطعة خطاب الرئيس في حالة الاتحاد، فقد صاح النائب جو ويلسون "أنت تكذب" في وجه باراك أوباما في 2009، وفي 2022 النائبتان لورين بويبرت ومارجوري تايلور غرين صاحتا وهتفتا مراراً أثناء خطاب جو بايدن. وفي 2023، الجمهوريون صاحوا وهتفوا مراراً أثناء خطاب بايدن (خاصة عند اتهامهم بمحاولة القضاء على برنامج الضمان الاجتماعي ).
في العالم العربي، يُنظر إلى هذه الصرخة كشيء غير مألوف تماماً، بل "عجيب" في سياق أميركي يُفترض أنه نموذج للديمقراطية والحرية. العديد من العرب يرون أميركا كبلد بناه المهاجرون من كل الأصول، بما في ذلك العرب والمسلمين، فكيف يحدث أن تصرخ نائبة مهاجرة في وجه الرئيس بهذه الطريقة دون أن تُسحق فوراً؟
بعض التعليقات على وسائل التواصل ترى عمر "شجاعة" تدافع عن المهاجرين والمسلمين، خاصة مع دعمها السابق للقضية الفلسطينية وانتقادها للسياسات الإسرائيلية. آخرون يرونها "فوضى" تكشف عن انقسامات عميقة تجعل النظام الأمريكي يبدو هشاً. في دول عربية حيث تكون مقاطعة الرئيس جريمة كبرى، يثير المشهد إعجاباً ممزوجاً بالدهشة: هل هذه حرية حقيقية، أم دليل على ضعف السلطة؟
المقاطعة قد تكون لتعزز من شعبية عمر بين قاعدتها التقدمية والمهاجرة، لكنها أعطت ترامب ومؤيديه مادة للهجوم: وصف الديمقراطيين بـ"المجانين" الذين "يدمرون البلاد".
في النهاية، هذا المشهد ليس مجرد لحظة درامية، بل انعكاس للتناقضات. أمريكا: بلد مهاجرين يعيش صراعاً داخلياً حول الهوية والحقوق، يشبه بلاد العجائب. للعرب، هذا شيء عجيب يجمع بين الإعجاب بالحرية والقلق من الفوضى، ويذكّر بأن "الحلم الأمريكي" ليس خالياً من الكوابيس.