أذربيجان ودول الخليج العربي

22 April 2026
abdulhamidhamidalkba@gmail.com
عبدالحميد حميد الكبي
تابع الكاتب عبر :

في عصر يشهد إعادة رسم ممرات التجارة والطاقة العالمية، تبرز جمهورية أذربيجان كلاعب محوري يربط الشرق بالغرب والشمال بالجنوب، طموح باكو لم يعد محصوراً في القوقاز، بل امتد ليتقاطع مع رؤى التنمية الطموحة لدول مجلس التعاون الخليجي، وفي مقدمتها رؤية السعودية 2030 التي تقود التكامل الخليجي نحو اقتصاد متنوع ومستدام، حيث يشكل هذا التقارب محوراً جديداً للاستقرار الاقتصادي والأمن الاستراتيجي عابر القارات.

يمثل ممر زانجيزور نقطة تحول بارزة في السياسة الخارجية الأذربيجانية، تم التوصل إليه بوساطة أميركية في أغسطس 2025، وأُعلن إطار تنفيذه في يناير 2026 بين الولايات المتحدة وأرمينيا. يربط آسيا الوسطى بأوروبا عبر تركيا، متجاوزا التعقيدات الجيوسياسية التقليدية، مع الحفاظ على سيادة أرمينيا الكاملة على أراضيها.

في يناير 2026، أطلقت أذربيجان رسمياً "ممر الطاقة زانجيزور" ببدء بناء خط نقل كهرباء مزدوج الدائرة 330 كيلوفولت (سعة حوالي 1000 ميغاواط)، يربط نخجوان بالشبكة الوطنية عبر مقاطع على نهر أراس، ممهداً لتصدير الكهرباء نحو تركيا وأوروبا. كما أكملت في فبراير 2026 جسر أغبند على الحدود مع إيران، معززة الربط اللوجستي.

بالنسبة لدول الخليج يوفر "زانجيزور" فرصة استراتيجية لتنويع سلاسل الإمداد والوصول إلى أسواق واعدة في آسيا الوسطى والقوقاز بتكاليف وأزمنة أقل. الاستثمار الخليجي في بنيته التحتية يعكس إدراكاً بأن أمن الطاقة يجب أن يتكامل مع أمن الممرات التجارية، خاصة مع تزايد الاهتمام الأوروبي ببدائل آمنة بعد التحول عن الاعتماد على روسيا.

لا يقتصر هذا الحراك الاستراتيجي على الممرات البرية فحسب، بل يمتد إلى السيادة الطاقوية؛ إذ تشهد أذربيجان تحولاً تاريخياً نحو الطاقة المتجددة يوازي النهضة الخضراء التي تقودها الرياض. وقد تجسد هذا التعاون بوضوح في 8 يناير 2026، مع تدشين شركة أكوا باور السعودية لمحطة "خزي-أبشرون" لطاقة الرياح بقدرة 240 ميغاواط، أضخم مشروع من نوعه في القوقاز باستثمار ناهز 340 مليون دولار.

يُضيء هذا المشروع اليوم أكثر من 300 ألف منزل أذربيجاني، ولا يُعد مجرد استثمار مالي، بل رسالة سياسية صريحة تؤكد أن الخبرة السعودية أصبحت ركيزة أساسية في تعزيز أمن الطاقة العالمي. تشمل الشراكات الخليجية مشاريع أخرى للطاقة الشمسية والرياح، مع خطط لتوسعة التعاون في الرياح البحرية والتخزين.

تسعى أذربيجان لتصبح مصدراً أخضر للكهرباء إلى أوروبا عبر ممر الطاقة الخضراء الذي يربط قزوين بالبحر الأسود وصولا إلى أوروبا، مع هدف 6 غيغاواط متجددة بحلول 2030، وربما أكثر في مجال الهيدروجين الأخضر، الاستثمارات الخليجية بقيادة الرياض، توفر الخبرة والتمويل، مما يعزز انتقال أذربيجان من مصدر نفط وغاز إلى مركز طاقة نظيفة.

تتميز العلاقات الخليجية-الأذربيجانية بتناغم الرؤى؛ فكلا الطرفين يتبنى سياسة "توازن القوى" والابتعاد عن المحاور الصدامية، باكو ترى في عواصم الخليج شركاء موثوقين يمتلكون الثقل المالي والسياسي لموازنة التأثيرات الإقليمية، وفي المقابل تجد دول الخليج في أذربيجان بوابة آمنة نحو أوراسيا، ومع تزايد الاستثمارات الخليجية في الطاقة واللوجستيات، تتعزز هذه الشراكة كعامل استقرار، رغم التحديات المتبقية.

يواجه الجزء الأرميني من زانجيزور تأخيرات فنية وسياسية، مع حساسيات أرمينية تجاه السيادة، كما تعارض إيران وروسيا المشروع بشدة، بوصفه تهديداً لنفوذهما، حيث ترى فيه طهران خطراً على أمنها الإقليمي، وموسكو تراجعاً لدورها في القوقاز، ورغم ذلك يعزز الدعم الأمريكي والإقليمي فرص التقدم مع إمكانية حل الخلافات عبر الحوار.

في الربع الأول من 2026، تتحول أذربيجان إلى مركز لوجستي ودبلوماسي يربط طموحات الخليج بآفاق القوقاز وآسيا الوسطى. مقومات التكامل من ممر زانجيزور إلى مشاريع الطاقة الخضراء الخليجية، تؤكد ولادة محور استراتيجي يعيد تعريف التعاون عابر القارات تحت قيادة الرياض. 

أذربيجان المستقرة أصبحت مصلحة خليجية عليا، والاستثمار في هذه العلاقة استثمار في مستقبل طرق التجارة العالمية، فهل مع إطلاق ممر زانجيزور وتسارع الشراكات الخليجية، نشهد خارطة طاقة وتجارة جديدة تربط الخليج بالقوقاز وأوروبا عبر باكو؟