لبنان.. الاستثمار لا يُستدعى

25 February 2026
الاستثمارات الأجنبية تحتاج إلى استراتيجيات اقتصادية وقوانين تحميها (وسائل التواصل)
الاستثمارات الأجنبية تحتاج إلى استراتيجيات اقتصادية وقوانين تحميها (وسائل التواصل)
riadhilal84@gmail.com
د. رياض هلال
تابع الكاتب عبر :

في حديث تلفزيوني أخير دعا نائب لبناني سابق إلى "استدعاء المستثمرين" لإنقاذ الاقتصاد، وكأن الاستثمار وفدٌ رسمي يمكن دعوته بكتاب أو تصريح. في التوقيت نفسه تقريبا، كان رجل الأعمال الخليجي خلف الحبتور يوجّه رسالة قاسية إلى الطبقة السياسية اللبنانية، مُعلنًا نقل استثماراته إلى خارج البلاد، واضعًا إصبعه على الجرح: لا أموال حيث لا دولة، ولا استثمار حيث لا قواعد ولا أمان. 

بين الخطابين تتكشّف الفجوة العميقة بين الوهم المحلي والواقع الاستثماري، فالاستثمار لا يأتي لأن مسؤولًا طلبه، بل لأنه يجد بيئة تحميه، والسؤال الحقيقي ليس كيف نستدعي المستثمرين، بل متى ولماذا قد يقرر رأس المال وخاصة العربي العودة؟

زمنيا عودة الاستثمار ليست قرارا فوريا ولا حدثا احتفاليا، بل مسار تراكمي يبدأ حين تتوافر ثلاثة شروط متلازمة: استقرار سياسي -أمني قابل للتوقّع، انتظام مالي ومصرفي يعيد حرية التحويل والتمويل، وبيئة قانونية وقضائية تحمي الملكية والعقود. من دون هذا الثالوث، يبقى أي حديث عن الاستثمار مجرد تسويق سياسي.

أما كيف تعود الاستثمارات، فالإجابة تبدأ من الداخل لا من المؤتمرات، حيث أن إعادة هيكلة القطاع المصرفي ليست بندا محاسبيا، بل شرطا وجوديا لإعادة فتح شرايين الاقتصاد. الثقة لا تُبنى بخطاب طمأنة، بل بقرارات واضحة ومؤلمة، توزيع شفاف للخسائر، حماية فعلية للودائع المتبقية، وإنهاء "الاستنسابية" في إدارة الأموال، وبالتوازي لا استثمار من دون قضاء مستقل وسريع؛ فالعقد الذي لا يحميه قاض موثوق لا يساوي الورق الذي كُتب عليه.

هنا تحديدا يتقدّم العامل السيادي بوصفه محدِّدا حاسما للاستثمار العربي.، فرأس المال العربي ليس مقامرا؛ هو يبحث عن الاستقرار والوضوح واحترام الدولة لقرارها. وجود سلاح خارج إطار الدولة، أو اقتصاد معرّض للاهتزاز مع كل تطور إقليمي، لا يُقرأ كخلاف سياسي داخلي، بل كمخاطر مباشرة على رأس المال. لذلك، فإن السيادة ليست شعارا، بل شرط استثمار.

إلى ذلك يحتاج لبنان إلى إجابة واضحة عن سؤال الدور. المستثمر لا يسأل فقط عن إعفاءات ضريبية، بل عن موقع البلد في سلاسل القيمة: هل هو منصة خدمات إقليمية؟ مركز لوجستي؟ بوابة إعادة إعمار؟ أم سوق استهلاكية صغيرة؟ من دون رؤية اقتصادية محددة، تبقى الاستثمارات محصورة في نشاطات قصيرة الأجل، نقدية، ومحدودة الأثر.

رسالة الحبتور لم تكن استثناء، بل ترجمة صريحة لما يقوله رأس المال في الغرف المغلقة. الاستثمار لا يُستجدى ولا يُستدعى، بل يوفر له الاطمئنان، وحتى تتغيّر الشروط البنيوية التي طردته، سيبقى لبنان يسمع الدعوات ويشهد الأفعال المعاكسة. عودة الاستثمار ممكنة نظريا، لكنها مؤجلة عمليا إلى أن يُعاد تعريف الدولة كحاضنة للقواعد والسيادة، لا كساحة مفتوحة للمخاطر.