الفلسفة لا تنتج نفسها
في تاريخ العلم والعلوم والفكرِ يكثر الحديثُ عن الفلسفة ومكانتها بين العلوم الإنسانيّة، وعن دورها في تشييد معرفة الإنسان وتنمية الفكر البشريّ الخلّاق. وكثيراً ما يُربط التطوّر الحضاري عامّة والعلميّ والفكريّ خاصّة في بلد ما أو حقبة تاريخيّة معيّنة، كثيراً ما يجري ربطها بمدى الأفق الفلسفيّ فيها، وبقيمة الإنتاج الفلسفيّ ومستواه بين العلوم الأخرى، أي يُربط هذا التطوّر أو ذاك في هذه البلد أو ذاك العهد أو تلك الحقبة بمكانة الفلسفة فيها وبمدى حضورها.
ويعد حضور النصّ الفلسفيّ مقياساً حضارياً على مكانة الزمكان الذي يحتضنه وينتجه. كما أنّ تاريخ الفكر دوماً ما يكون مؤشّره الحضاري والقِيْميّ تابعاً لوجود الفلاسفة وقوّة فاعليّتهم وتأثيرهم في هذا التاريخ. ويمكن الزعم أن هذا الدور للفلسفة والفلاسفة وهذه المكانة جعلت الاهتمام يتزايد أو يتوجّه نحو إنشاء مدارس ومعاهد وكليّات أو أقسام خاصّة بحقل معرفيّ اسمه الفلسفة، يدرّس فيه معلّمون يُدعَون فلاسفة وينعتون بها، ويتعلّم على أيديهم طلّاب معرفة يقال لهم: طلّاب فلسفة.
هكذا بدأت الفكرة من الحاجة إلى المعرفة في عصورها القديمة، ثمّ صارت غاية في ذاتها اسمها الفلسفة. وصار يراد للمتخرّجين فيها أن يكونوا فلاسفة. وعلى الرغم من ازدهار الفلسفة وعلو مكانتها عبر تاريخ الفكر البشري وفي حقول العلوم الإنسانيّة، وعلى الرغم من تكاثر المعاهد الفلسفية وأقسامها في جامعات العالم كافّة أو في أغلبيّتها الساحقة، على الرغم من ذلك كلّه فإنّ الانطباع العامّ، وليس الانطباع فحسب، بل مؤشرات الرصد العلمي تؤكّد أنّ أقسام الفلسفة في الجامعات، أينما وجدت، هي فقيرةٌ بالإنتاج الفلسفيّ المعتبر، وأنّ هذه الأقسام يندر أنْ تخرّج فلاسفة لهم بصمتهم الخلّاقة في تاريخ التطوّر الفلسفيّ ونتاجه المعرفيّ. وذلك أنّها تكاد تقتصر تلك الأقسام والمعاهد على تخريج مؤرّخي فلسفة أو متخصّصين في التاريخ الفلسفيّ وتراجمها.
ربّما هذا أحد أهمّ الأسباب، أو هو أهمّها، التي تقف سبباً وراء تراجع مكانة الفلسفة بين العلوم في عصر ما بعد الحداثة. وهذا التراجع يمكن ردّ أسبابه لاعتبارين رئيسين: الأوّل تقصير أقسام الفلسفة الجامعيّة في العالم كافّة عن إنتاج معرفة فلسفيّة تحقّق المأمول من حقول ينظر إليها على أنّها متخصّصة في الفلسفة، ومن ثمّ تقصيرها في تخريج فلاسفة بدلاً من أشباه فلاسفة ينحصر دورهم على مراجعات تاريخية وتراجمَ وحشوٍ مكرورٍ وتلقينٍ معلّبٍ مسبّقاً؛ ما جعل تلك الأقسام نسخة تشويهيّة للاسم ومضلّلة في المفهوم، وكأنها "سميولاكرم" أفلاطوني مزيّف.
الاعتبار الثاني، وهو متّصل بالأوّل ومتجادل معه، فيكمن في أنّ العلم أصبح ينحو نحو التخصّص، ويبتعد عن دعم المعارف العامّة؛ فصار يبحث في الجزئيّات وتفرّعاتها، ويفرّع العلوم ويُحدث التخصّصات كلما أسعفته الممكنات العلميّة، وبات له كلّ حين حقل معرفيّ جديد له متخصّصوه وطلّابه. هذا التحوّل العلمي أعقبه تحوّل معرفيّ جعل أقسام الفلسفة تبدو كأنّها حقول خاوية على عروشها، قياساً إلى أمرين: أوّلهما التصوّر المعهود عن تاريخ الفلسفة وما يحمله من مكتبة فلسفيّة وأعلام فلاسفة، يمسي معها منتج قسم الفلسفة الجامعيّ هامشيّاً وقليل الاعتبار. وثاني الأمرين في القيمة المعرفية، كمّاً ونوعاً، لما تقدّمه حقول المعرفة الأخرى وتخصّصاتها الجديدة، أغنت المكتبة الفكرية وأغنت عن قسم الفلسفة أو تكاد.
ثمّة اعتبار علميّ آخر يمكن أن يقدّم السبب التاريخي والراهن عن افتقار قسم الفلسفة ونكوصه عن اسمه وعن الاعتبار المأمول من اسمه. فالفلسفة مصطلح اخترعه بعض علماء اليونان- يقال فيثاغورس ويقال غيره- لتشير إلى المثقّف أو المعلّم أو العالم المحبّ للحكمة، فصارت بمعنى (حبّ الحكمة)، ثم استقرّ دلالة المصطلح لتكون مفهوماً للحكمة أو لحكمة علم ما أيّ كان وخلاصته التي تجسّد فائدته وأهمّيته وعبقريّته، ولكلّ علم أو حقل علميّ فائدته وأهمّيته وعبقريّته المتمثّلة في سرّ علاقاته وصيرورته الجدلية الذاتيّة والخارجيّة مع غيره من الحقول والمعارف ودوره في الحياة. ولهذا فلكلّ علم فلسفته الخاصّة، التي يُتوصّل إليها بالبحث النقدي النظري والتجريبي وربطهما في بنية معرفيّة نقديّة تكشف المنظومة العبقريّة لهذا البحث وتجلي سرّ علاقاته وصيرورته الجدليّة. من هنا تترجم درجة الدكتوراة بالرمز Ph.D أي دكتوراة الفلسفة في كذا: أدب، تاريخ، قانون....وغيرها من حقول المعرفة.
أمّا أقسام الفلسفة فهي ليست أكثر من مقدّمات نظريّة وتراجم يعسر بل قد يستحيل أن تنتج فلسفة أو تخرّج فلاسفة؛ لأن الفلسفة هي عصارة علم ما وعبقريّته؛ وهذا لن يتأتّى من التجوال النظري المحض في الفلسفة ذاتها؛ لأنه لا شيء في العلم مستقل اسمه الفلسفة. وإنّما تظهر فلسفة الشيء أو يُتوصّل إليها من تراكم معرفي بحثيّ نظري وتجريبيّ في علم ما، ثم يُحصل منه على هذا الجانب الفلسفي أو الخلاص الفلسفي النهائيّ، والقابل للدحض والتجدّد الفلسفي الجديد.
من هنا يمكن أن نفهم كيف أن الناقد الأدبي التفكيكي (Paul de Man) وجد أنّ الفلسفة بعدّتها النظرية المتآكلة تقف عاجزة ومبهورة أمام عبقرية فلسفة الأدب ونقده؛ فقال: " تنتهي الفلسفة إلى كونها عمليّة تأمّل مسلّماتها وهي تتهدّم على يد الأدب تأمّلاً لا يرتوي".
لقد وصل كثير من حقول العلم منذ القرن العشرين إلى معارف ونظريّات ونتائج بزّت الفلسفة التي ظلّت تعتاش على مجترّاتها المعرفيّة القديمة. فقد بدأت الفلسفة بالبحث عن ذاتها في الحقول المتنوّعة، إلى أن تضخّمت وجمدت على ذاتها وبنيتها حتّى تحجّرت صنماً، وصارت حقلاً مستقلّاً بذاته، متنكّرة لأصل وجودها العبقريّ وأنّها ليست إلا عبقرّية علوم أخرى وحقول مجاورة، فنسيت أصلها، وفقدت ذاكرتها وباتت توهّمات نظريّة مجزوزة الجذور، وتركت المجال لكلّ حقل أن يكتشف سرّ عبقريّته بنفسه، ويبني عليها فلسفته الخاصّة.
ثمّ جاءت القاسمة مع نظرية النقد التي حفرت قبر قسم الفلسفة ودفنته، لتغادره من دون صلاة أو أخذ تعزية. واليوم صار طلاب هذا القسم ضحية شراك الاسم الذي فقد مفهومه ومعناه وجدواه، فهجره التداول العلمي ويمّم شطر معجم النظرية النقدية ومعاجم الحقول الخاصّة ينهل من كلّ حقل مفاهيمه ومعانيها ومجدياتها الفلسفيّة؛ فأضحت أقسام الفلسفة للّهو والفراغ وأضحى أساتذتها معلّمين يعتاشون بحيل سوفسطائيّة مهترئة الوطء.