الكتلة الديمقراطية و"توب السهرة"
يقول المثل من جرب "المجرب" فعقله مخرب، ومن يراقب أداء "الكتلة الديمقراطية" هذه الأيام، يدرك أننا أمام ظاهرة سياسية فريدة في باب "الهرجلة التنظيمية". فالتحالف الذي قُدّم للشعب السوداني باعتباره "الكتلة الصلبة" التي ستحقق التوازن، بدا مؤخراً وكأنه "توب سهرة"؛ لامع من بعيد، مبهر في الصور والاجتماعات، لكن خيوطه "مفككة" وكل خيط فيه يغني لليلاه.
أزمة "البيانات المتضاربة" وانفراد الناطق الرسمي بالتصريحات دون تشاور، ليست مجرد سقطة إعلامية، بل هي "شرخ" في جدار التحالف. الناطق الرسمي في أي كيان محترم هو "اللسان" الذي يأتمر بأمر "العقل الجماعي"، لكن في الكتلة الديمقراطية يبدو أن اللسان قد استقل بذاته، وأصبح يصدر البيانات بـ"نظام القطاعي"، دون اعتبار لمكونات ثقيلة لها وزنها التاريخي والقاعدي. فالكتلة الديمقراطية اليوم تعاني من "فصام سياسي"؛ فبينما يهرول تيار الحركات المسلحة نحو تفاهمات معينة لضمان مكاسب "اتفاق جوبا"، يقف الاتحادي الديمقراطي (الأصل) متوجساً، ويصدر بياناته المضادة ليؤكد أن "توب السهرة" الذي يرتديه التحالف بدأ يضيق عليه، وأن الخيوط لم تعد تحتمل الشد والجذب.
الحقيقة التي تقال "بدون تخدير": التحالفات التي تُبنى على "تجميع الأضداد" دون ميثاق تنظيمي صارم، هي تحالفات "كرتونية". و الناطق الرسمي الذي يغرد خارج السرب، إنما يفضح هشاشة البناء الداخلي. فكيف لكتلة تطمح لقيادة مرحلة انتقالية حساسة وتشكيل مجالس تشريعية، وهي لا تستطيع حتى "ضبط لسانها" وتوحيد خطابها الإعلامي؟. لقد سئم السودانيون من "تحالفات المكاتب" التي تنفرط عند أول لفة. ما يحدث في الكتلة الديمقراطية كما يقول أهلنا في شمال السودان هو "عرضة" خارج الإيقاع، فكل فصيل يعرض بسيفه براه، والجمهور (الشعب) يراقب هذا التخبط بأسى.
إذا كان "توب السهرة" السياسي هذا لا يستتر عيوبه الداخلية، فمن الأفضل تمزيقه وإعادة حياكته على أسس وطنية واضحة، بدلاً من الظهور بمظهر "المتفقين" والقلوب شتى. يا سادة، السياسة ليست "لقطات" وصوراً في الصالات و الفنادق، بل هي انضباط ومؤسسية. والناطق الذي يتحدث دون تشاور، هو في الحقيقة "ينعي" تحالفه قبل أن يبدأ.