تعنيف الأطفال في عصر "السوشيال ميديا"

13 February 2026
دول عديدة تجرم قوانينها تعنيف الأطفال بكل أشكاله (وسائل التواصل)
دول عديدة تجرم قوانينها تعنيف الأطفال بكل أشكاله (وسائل التواصل)
alhussein.mo.974@gmail.com
محمد فواز الحسين
تابع الكاتب عبر :

لم يعد تعنيف الأطفال ظاهرة خفية تُرتكب خلف الجدران المغلقة، بل تحوّل في الآونة الأخيرة إلى مشاهد صادمة تُوثّق وتُنشر على وسائل التواصل، في مشهد يكشف خللا أخلاقيا عميقا قبل أن يكون خللا تربويا أو قانونيا، فالطفل الذي يتعرض للضرب أو الإهانة لا يُعاقَب مرة واحدة فقط، بل يُعاقب مرتين، الأولى بالفعل العنيف، والثانية بـ"فضحه" أمام الناس.

يعتمد بعض الآباء أو القائمين على رعاية الأطفال أساليب قاسية بذريعة التربية أو التأديب، غير مدركين أن التعنيف الجسدي أو النفسي لا يبني شخصية سوية، بل يزرع الخوف والاضطراب، فالتربية السليمة تقوم على الحوار والاحتواء ووضع الحدود بوسائل إنسانية، لا على الإيذاء والإذلال، ومع ذلك، لا يزال العنف ضد الأطفال يُمارس بوصفه سلوكا مقبولا في بعض البيئات، ما يساهم في استمراره وانتقاله عبر الأجيال.

الأكثر خطورة من التعنيف ذاته هو الإصرار على تصويره ونشره، البعض ينشر الفيديوهات بهدف الشهرة السريعة وجذب التفاعل ولو على حساب كرامة طفل ضعيف، وآخرون يحاولون تبرير أفعالهم، أو إثبات "حزمهم" أمام المجتمع، وكأن القسوة إنجاز يُفاخر به. كما أن هناك من يفتقر للوعي بحجم الضرر، فيتعامل مع الطفل كأداة محتوى، لا كإنسان له مشاعر وحقوق.

وفّرت منصات التواصل الاجتماعي بيئة سريعة الانتشار، حيث يمكن لمقطع فيديو واحد أن يصل إلى ملايين المشاهدات خلال ساعات، وهذا الانتشار الواسع يحوّل معاناة الطفل إلى مادة للتعليق والسخرية، ويجعل الألم شخصيا وعاما في آن واحد. والأسوأ أن بعض المستخدمين يشاركون هذه المقاطع دون تفكير، مساهمين، ولو دون قصد، في إعادة إيذاء الطفل نفسيا.

لا تنتهي آثار التعنيف عند لحظة الضرب أو الصراخ، بل تمتد لسنوات طويلة، فالطفل المُعنّف قد يعاني من القلق، وفقدان الثقة بالنفس، واضطرابات نفسية عميقة. وعندما يُنشر تعنيفه على الملأ، يتضاعف الأذى، إذ يشعر بالخزي والعار، ويشعر بالخوف من نظرة المجتمع إليه، ما قد يؤدي إلى العزلة أو العدوانية أو الفشل الدراسي، وحتى في الحياة الاجتماعية سواء اجتماعيا أو مهنيًّا، وفي حالات كثيرة يتحول الطفل الضحية إلى شخص ناقم أو عنيف في المستقبل، مكررا ما تعرّض له.

إن مواجهة هذه الظاهرة لا تقتصر على إدانة فردية هنا أو هناك، بل تتطلب وعيا مجتمعيا وتشريعات صارمة تُجرّم التعنيف والتصوير والنشر معا، كما أن وسائل الإعلام والمؤثرين مطالبون بلعب دور توعوي، لا استهلاكي، يركز على حماية الطفل لا على استغلال قضيته. أما الأسرة، فهي خط الدفاع الأول، وعليها أن تدرك أن الكرامة الإنسانية تبدأ من الطفولة.

تعنيف الأطفال جريمة وتصويرها ونشرها جريمة أشد قسوة، فالطفولة ليست مساحة للتجارب القاسية ولا مادة للعرض الرقمي، إن حماية الأطفال مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون قانونية، وصمت المجتمع أو تفاعله السلبي مع هذه المقاطع هو شكل آخر من أشكال العنف، فإما أن نكون جزءا من الحل أو شركاء دون قصد في الجريمة.