الدرس الرواندي: كيف ينهض اليمن من جديد
يقف اليمن اليوم على مفترق طرق تاريخي، وما يحتاجه ليس المزيد من البيروقراطية والمحاصصات السياسية التي أثقلت كاهل الدولة وأنهكت مواردها، اليمن لا يحتاج إلى 35 وزارة تتضخم فيها المناصب وتتعدد الصلاحيات المتداخلة، بل يحتاج إلى رؤية واضحة وإدارة رشيدة تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
خلافاً للصورة النمطية التي يروج لها البعض، فإن اليمن ليس دولة فقيرة بالمعنى الحقيقي، اليمن غني بموارده البشرية التي تمتلك طاقات هائلة وإرادة صلبة للعمل والبناء، غني بأرضه الخصبة القادرة على إنتاج أجود أنواع البن في العالم، والقمح، والفواكه، والخضروات، غني بتاريخه العريق وحضارته الممتدة لآلاف السنين، وبموقعه الاستراتيجي على أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
المشكلة ليست في الموارد، بل في كيفية إدارتها وتوظيفها لخدمة الشعب اليمني. المشكلة في الفساد والمحاصصة والحروب التي استنزفت هذه الثروات وحولت الغنى إلى فقر مصطنع.
ما يحتاجه اليمن في الوقت الحالي هيكل حكومي بسيط وفعال يتكون من 5 وزارات رئيسية فقط حتى يتم التحرير من جميع المليشيات المتمردة:
وزارة الحرب، تتولى تحرير الوطن كاملاً من أي مليشيات أو حكم غير حكم الدولة والدفاع عن الوطن وحماية سيادته وأمنه الخارجي، بجيش وطني موحد ومحترف.
وزارة الخارجية والمغتربين، تدير العلاقات الدبلوماسية بحزم وردع التدخلات الخارجية في تسيير أعمال البلاد وترعى شؤون اليمنيين في الخارج وتستثمر طاقاتهم لخدمة الوطن.
وزارة الداخلية والأمن العام، تحفظ الأمن الداخلي وتطبق القانون وتحمي المواطنين.
وزارة شؤون الشعب، تضم كل الوزارات الخدمية من تعليم وصحة وإسكان وكهرباء وماء ونقل وزراعة وغيرها، وتعمل بتنسيق كامل لخدمة المواطن دون تضارب الصلاحيات.
وزارة العدل، تضمن سيادة القانون والعدالة وتطبيق الأحكام الشرعية والقانونية بنزاهة.
هذا الهيكل البسيط سيوفر الملايين من الدولارات التي تُهدر على الرواتب والامتيازات والمكاتب، ويوجهها نحو التنمية الحقيقية.
قبل الحديث عن البناء، يجب الحديث عن العدالة. على اليمن أن يتعلم من التجربة الرواندية في العدالة الانتقالية، تلك التجربة التي نجحت في تحويل رواندا من دولة مزقتها الحرب الأهلية والإبادة الجماعية إلى دولة مستقرة ومتقدمة.
الدرس الأول من التجربة الرواندية هو تحييد كل من تورط في جرائم حرب، دون استثناء ودون محاصصة. لا يمكن بناء دولة على أكتاف من سفكوا الدماء وارتكبوا الجرائم بحق الإنسانية.
يجب إنشاء محاكم عدالة انتقالية مستقلة ونزيهة لمحاسبة كل من ارتكب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، عدم السماح لمجرمي الحرب بتولي أي منصب سياسي أو حكومي أو عسكري مهما كان انتماؤهم، تطبيق مبدأ المصالحة الوطنية على من لم يرتكبوا جرائم كبرى، مع برامج لإعادة الإدماج المجتمعي، توثيق الانتهاكات وحفظ ذاكرة الضحايا، حتى لا تتكرر المأساة.
العدالة الانتقالية ليست انتقاماً، بل هي شرط أساسي للسلام المستدام، لا يمكن أن نطلب من الضحايا أن يعيشوا جنباً إلى جنب مع جلاديهم في مناصب السلطة. التحييد القانوني لمجرمي الحرب هو الطريق الوحيد نحو مصالحة حقيقية وسلام دائم.
في أول خمس سنوات بعد الاستقرار يجب العودة إلى الأهداف الستة لثورة 26 سبتمبر والعمل على تحقيقها كاملة، التحرر من الاستبداد والاستعمار ومخلفاته، إقامة حكم جمهوري عادل، بناء جيش وطني قوي، رفع مستوى الشعب اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، إنشاء مجتمع ديمقراطي تعاوني عادل، والعمل على تحقيق الوحدة الوطنية في نطاق الوحدة العربية الشاملة. هذه الأهداف ليست شعارات، بل خريطة طريق واضحة نحو يمن جديد.
بعد التحرير من المليشيات واستعادة الدولة، يجب إعلان سنة كاملة تحت شعار "سنة التعليم والعمل"، يُبنى فيها المؤسسات التعليمية من مدارس وجامعات ومعاهد مهنية في كل محافظة ومديرية، لأن التعليم هو أساس النهضة الحقيقية وتأسيس منهج وطني جديد بآليات العلم الحديث.
كذلك يبنى خلالها البنية التحتية الزراعية للعودة إلى زراعة القمح وتحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء، مزارع البن اليمني الذي اشتهر به اليمن عالمياً، واستعادة مكانته في الأسواق العالمية وتصدير البن لجميع دول العالم الصديقة
يحتاج اليمن أيضا إلى التنقيب عن الغاز الطبيعي والبترول في محافظات غنية بها كالجوف وحضرموت والمهرة.
يجب البدء فوراً في برنامج تدريجي لاقتلاع شجرات القات وحظرها، هذه الشجرة التي استنزفت المياه الجوفية و أهدرت الأراضي الخصبة والوقت والمال، وهذا البرنامج يجب أن يكون تدريجياً ويحصر استخدام القات في يومين والمناسبات الاجتماعية لتجنب الصدمة الاقتصادية للمزارعين والمستهلكين، كما يجب أن يكون البرنامج مصحوبا بدعم حكومي لزراعة بدائل مربحة كالبن والقمح والفواكه، ومدعوماً بحملات توعية عن أضرار القات الصحية والاقتصادية والاجتماعية، ومترافقاً مع فرص عمل بديلة للعاملين في قطاع القات.
اليمن لا يحتاج إلى معجزات، بل إلى إرادة سياسية حقيقية، وإدارة رشيدة، ورؤية واضحة، وعمل دؤوب في الأماكن المحررة، والسعي بكد كي تحرر باقي المناطق من حكم المليشيات.
يحتاج اليمن إلى حكومة صغيرة وفعالة، وليس إلى حكومة ضخمة وفاسدة، يحتاج إلى عدالة انتقالية حقيقية تحاسب المجرمين وتنصف الضحايا، وإلى استثمار ثرواته البشرية والطبيعية، لا إلى الاعتماد على المعونات، كما يحتاج إلى الوحدة الوطنية والعدالة الاجتماعية، وليس إلى المحاصصات والانقسامات.
اليمن قادر على النهوض، واليمنيون قادرون على صنع المعجزات عندما تتوفر لهم الظروف الملائمة والقيادة الحكيمة، المستقبل يبدأ اليوم، بقرار صادق وعزيمة لا تلين، وعدالة لا تفرق بين قوي وضعيف.