السياسة حين تفشل تستدعي القبيلة

11 February 2026
السودان بلد مترامي الأطراف ومتعدد الثقافات (أ ف ب)
السودان بلد مترامي الأطراف ومتعدد الثقافات (أ ف ب)
abdelazim556@gmail.com
عبدالعظيم الله جابو
تابع الكاتب عبر :

أثار خبر نشرته حركة العدل والمساواة السودانية، تحدثت فيه عن عقد لقاء "تشاوري وبناء ثقة وشراكة" بينها وبين أبناء قبيلة "التاما" في مدينة بورتسودان، وبحضور رئيس الحركة الدكتور جبريل إبراهيم، جدلاً واسعاً في الأوساط السودانية. 

رأى كثيرون في الخطوة تجاوزاً لحدود العمل السياسي، وزجّاً بمكوّن اجتماعي كامل في معترك حزبي لا يعكس بالضرورة تعدد مواقف أبنائه، ويقوّض مبدأ استقلال القبيلة عن الاستقطاب السياسي، في لحظة وطنية شديدة الهشاشة.

إنّ جرّ القبيلة إلى مستنقع الصراع السياسي ليس مجرد خطأ في التقدير، بل فعل مدان أخلاقياً ووطنياً، لأنه يهدم أسس التعايش ويقوّض ما تبقى من النسيج الاجتماعي، فالسياسة حين تعجز عن إقناع الناس بالبرامج والأفكار والرؤى الجامعة، تلجأ إلى أسوأ البدائل: استثارة الغرائز، وتوظيف الانتماءات الأولية، وتحويل القبيلة إلى درع سياسي وسلاح ابتزاز.

ما يحدث اليوم من محاولات لتسويق مشاريع سياسية عبر بوابة القبيلة ليس ظاهرة جديدة، بل هو امتداد مباشر لنهج دمّر البلاد لعقود، حين استُبدلت الدولة بالعصبية، والمواطنة بالولاء، والحق العام بحسابات ضيقة لا ترى في المجتمع سوى كتل قابلة للتجييش. 

هذا المسار لم ينتج سوى الحروب والانقسامات، ولن يقود إلا إلى إعادة إنتاج الفشل ذاته، وإن تغيّرت الأسماء والشعارات.

السياسة ليست ميراثاً قبلياً، ولا غنيمة تُوزّع باسم الدم والانتماء، بل مسؤولية وطنية تُمارس عبر مشروع جامع، يحترم التنوع بوصفه ثراءً لا أداة توظيف. والزج بأي قبيلة في معركة السلطة هو في جوهره اختطاف لإرادتها، ومصادرة لحق أبنائها في الاختلاف السياسي، ومحاولة فجة لفرض موقف واحد على مكوّن اجتماعي بطبيعته متعدّد الرؤى والانتماءات.

الأخطر من ذلك أن هذا السلوك يحوّل الخلاف السياسي من تنافس مشروع حول الأفكار والبرامج إلى صراع اجتماعي مفتوح، ويضع المجتمعات المحلية في مواجهة بعضها البعض، خدمةً لأجندات لا علاقة لها بمصالح الناس ولا بمستقبلهم. فالفتنة حين تُشعل باسم القبيلة لا تتوقف عند حدود الخطاب، بل تمتد إلى الواقع، وتترك جراحاً عميقة يصعب ترميمها.

إنّ تسييس القبيلة مرفوض جملةً وتفصيلاً، ليس لأن القبائل خارج المجال العام، بل لأن استغلالها بهذه الطريقة هو إعلان فشل سياسي صريح، واستهتار بمصير المجتمع، ومغامرة خطرة بوحدة وطن يئن أصلاً تحت وطأة الانقسام والحرب، ولن يكون مآل هذا الطريق سوى تعميق الأزمات، وتوسيع دائرة الخراب، وتأجيل أي أفق حقيقي لبناء دولة تقوم على المواطنة لا العصبية، وعلى المشروع الوطني لا حسابات الدم والانتماء.