تأملات في العقل الاقتصادي الصيني
في أوائل التسعينيات، خلال سنوات البيروسترويكا وانهيار الاقتصاد المخطط في الاتحاد السوفياتي، لم يكن التحول إلى اقتصاد السوق حدثاً نظرياً يُقرأ في الكتب، بل فوضى كاملة تُعاش في الشارع. الدولة انسحبت فجأة من دورها، شبكات التوزيع انهارت، والناس تُركوا بين تضخم وانقطاع سلع وانعدام قواعد واضحة. في تلك اللحظة الرمادية، ظهر مشهد صغير لكنه ذو دلالة: تجار صينيون يملأون شوارع موسكو، يبيعون جاكيتات منتفخة وملابس رخيصة وأدوات يومية، وكأنهم يعرفون مسبقاً ما الذي سيحدث.
لم يكن هؤلاء التجار مجرد أفراد يبحثون عن فرصة. كانوا وحدات اقتصادية منضبطة تعمل بعقل جماعي. لا فوضى، لا مغامرة فردية، ولا بحث عن ربح سريع وكبير. كل شيء محسوب: النقل في حافلات الركاب العادية لتقليل الكلفة والمخاطر، توزيع الحمولة على المجموعة، سكن جماعي في مساكن الطلاب التي تحولت إلى مستودعات بشرية، وتقسيم صارم للأدوار. الربح كان صغيراً، لكنه متكرر، مضمون نسبياً، ويتراكم ببطء. ربح قليل مضروباً بكمية كبيرة، مرفق بانضباط شديد.
في ذلك المشهد، كانت الصين حاضرة من دون أن ترفع علمها. لم تكن الدولة هناك رسمياً، لكن عقل الدولة كان حاضراً في السلوك. ما بدا تجارة هامشية في سوق مضطرب، كان في الحقيقة بروفة أولى لنموذج اقتصادي كامل. فالصينيون لم يأتوا ليكسروا السوق الروسية، بل ليتعلموا السوق في أقسى ظروفها. تعلّموا الطلب، السعر، الذوق، المخاطر، وسلاسل التوريد في بيئة بلا قوانين واضحة. ومن هذه التجربة، كما من غيرها في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، وُلدت الصين التي نعرفها اليوم.
هنا يُطرح السؤال الجوهري: كيف لدولة يحكمها حزب واحد، يرفع اسم "الشيوعية"، أن تنتج هذا القدر من البراغماتية والنجاح الرأسمالي؟ أين سرّ النموذج؟ السرّ ليس في الأيديولوجيا، بل في طريقة تعامل الدولة مع الأيديولوجيا. الصين، منذ دنغ شياو بينغ الملقب بمهندس الإصلاح الصيني، لم تتخلَّ عن الحزب، لكنها نزعت عنه قدسيته الاقتصادية. الحزب بقي إطار السلطة، لكنه لم يعد نموذجاً لإدارة السوق. الدولة لم تسأل: هل هذا شيوعي أم رأسمالي؟ بل سألت سؤالاً أكثر بساطة وأخطر: هل هذا يعمل أم لا؟ وما لا يعمل يُستبدل، حتى لو ناقض النصوص.
في الصين، لم يُترك السوق ليحطم الدولة كما حدث في روسيا، ولم تُترك الدولة لتخنق السوق كما في نماذج اشتراكية أخرى. جرى بناء علاقة دقيقة بين الاثنين: دولة قوية تضع الاتجاهات الكبرى، وسوق واسع يُترك له هامش التجربة والخطأ. الفرد مسموح له أن يربح، لكن من دون أن يتحول إلى مركز نفوذ سياسي. الرأسمال مرحّب به، لكن بشروط الدولة، لا العكس. الانضباط الذي رأيناه في تجار موسكو لم يكن ثقافة عفوية فقط، بل انعكاساً لمنظومة أوسع: دولة لا تَعِد مواطنيها بالحرية السياسية، لكنها تَعِدهم بالتحسن المادي. شرعية الحزب لم تُبنَ على الخطاب، بل على النتائج. ما دام مستوى المعيشة يرتفع، والبنية التحتية تتوسع، والفرص تتكاثر، فإن السؤال السياسي يُؤجَّل.
والفارق الجوهري بين الصين وتجارب أخرى فشلت هو أن الصين فصلت بين الاستقرار السياسي والتجربة الاقتصادية. لم تخشَ الفوضى الاقتصادية الصغيرة، لكنها منعت الفوضى السياسية الكبرى. سمحت بتفاوت طبقي طغى عليه طبقة وسطى كبيرة، وبتراكم ثروات هائلة، لكنها أبقت القرار النهائي بيد الدولة. لم تدّعِ العدالة الكاملة، بل وعدت بالنمو أولاً، ثم بإدارة نتائجه لاحقاً. من هنا، يمكن فهم كيف تحولت تجارة الجاكيتات إلى ناطحات سحاب، وكيف صار عمال الأمس مليارديرات اليوم، وكيف أصبحت الصين مصنع العالم. النجاح لم يكن معجزة، بل تراكما طويل النفس، بدأ من الهامش، من الأسواق الفوضوية، من الأرباح الصغيرة، ومن عقل لا يتوهم ولا يرفع شعارات أكبر من قدرته.
سرّ النموذج الصيني ليس في الحزب الواحد بحد ذاته، بل في دولة عرفت متى تُمسك ومتى تترك، متى تتدخل ومتى تصمت، ومتى تعتبر الأيديولوجيا أداة، لا قيدا. في عالم مليء بالدول التي إما تقدس السوق أو تقدس الدولة، اختارت الصين طريقاً ثالثا: دولة قوية لا تخاف من السوق، وسوق واسع لا يستطيع ابتلاع الدولة. هنا بالضبط يمكن استخلاص الدرس: ما بدأ من تجارة هامشية في سوق مضطرب، انتهى بإعادة صباغة قواعد اللعبة الاقتصادية عالمياً.