أمريكا وإعادة تدوير الفشل السياسي

01 فبراير 2026
الولايات المتحدة لها تاريخ طويل من التدخل في شئون الدول الأخرى (غيتي)
الولايات المتحدة لها تاريخ طويل من التدخل في شئون الدول الأخرى (غيتي)
qhtani4500@gmail.com
منيس محمد القحطاني
تابع الكاتب عبر :

لا تزال الولايات المتحدة رغم كل ما ترفعه من شعارات براقة عن الحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية، عاجزة عن إجراء مراجعة جادة لتاريخها الطويل في التدخل في شؤون الدول الأخرى. فواشنطن التي تُقدِّم نفسها نموذجًا للديمقراطية في الداخل، كثيرًا ما تمارس في الخارج سلوكًا نقيضًا تمامًا لما تُبشّر به، فتدعم أنظمة استبدادية، وتُقوِّض تجارب سياسية ناشئة، وتُعيد تشكيل دول كاملة وفق مصالحها لا وفق إرادة شعوبها. إنّ هذا التناقض الصارخ بين الخطاب والممارسة ليس مجرد خطأ تكتيكي، بل هو خلل بنيوي في الفلسفة السياسية الأمريكية تجاه العالم؛ فلسفة ترى أن الديمقراطية حق حصري داخل الحدود الأمريكية، بينما تُدار العلاقات الخارجية بمنطق القوة، والهيمنة، والانتقائية الأخلاقية.

دخلت الولايات المتحدة حرب فيتنام وهي ترفع شعار “حماية العالم الحر”، لكنها سرعان ما تحولت إلى قوة احتلال تمارس القصف واسع النطاق، وتفرض إرادتها بالقوة على شعب لم يطلب منها يوما “التحرير”. كانت واشنطن تتحدث عن الديمقراطية، بينما تدعم في جنوب فيتنام أنظمة قمعية موالية لها، لا تختلف كثيرا عن الأنظمة التي كانت تزعم محاربتها. الهزيمة في فيتنام لم تكن عسكرية فحسب، بل كانت سقوطًا أخلاقيًا مدويًا؛ إذ تبيّن أن الديمقراطية لا يمكن أن تُفرض بالقنابل، ولا تُزرع في أرض تُسقى بالدم. ومنذ تلك اللحظة، بدأت صورة “أمريكا المنقذة” تتصدع في وعي كثير من شعوب العالم.

في أفغانستان، أعادت الولايات المتحدة إنتاج الخطاب ذاته بعد أحداث 11 سبتمبر: إسقاط نظام متشدد، وبناء دولة ديمقراطية حديثة. لكن ما بُني هناك لم يكن دولة، بل نموذجًا هشًا معتمدًا كليًا على الحماية الأمريكية. مؤسسات بلا جذور اجتماعية، وجيش بلا عقيدة وطنية، ونظام سياسي لا يستمد شرعيته من المجتمع بقدر ما يستمدها من الدعم الخارجي. كانت واشنطن تُنظّر للديمقراطية، لكنها في الواقع تُدير البلاد بعقلية الوصي، وتفرض نخبًا سياسية لا تمثل المزاج الشعبي الحقيقي. وحين قررت الانسحاب، انهار كل شيء خلال أيام، وكأن عشرين عامًا من “بناء الديمقراطية” لم تكن سوى واجهة إعلامية لمشروع فاشل.وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل كانت الولايات المتحدة تريد ديمقراطية حقيقية في أفغانستان، أم نظامًا مطيعًا يخدم مصالحها الأمنية؟

أما العراق، فهو المثال الأكثر قسوة على ازدواجية المعايير الأمريكية. فبحجة نشر الديمقراطية وإزالة “الديكتاتورية”، دمرت الولايات المتحدة بنية الدولة العراقية، وحلّت مؤسساتها، وفتحت الباب أمام الفوضى والطائفية والتدخلات الخارجية. أسقطت واشنطن النظام، لكنها لم تبنِ الدولة. نظّمت انتخابات، لكنها لم تصنع استقرارًا. تحدثت عن الحرية، لكنها تركت العراقيين يواجهون سنوات من العنف والانقسام. كانت الديمقراطية في العراق شكلًا بلا مضمون، تُستخدم لتجميل واقع سياسي مأزوم، لا ليعكس إرادة وطنية مستقلة. والمفارقة أن الولايات المتحدة، التي لا تقبل المساس بنظامها الديمقراطي الداخلي، لم تتردد في إعادة هندسة النظام السياسي العراقي بما يخدم توازنات معينة، حتى لو كان ذلك على حساب وحدة المجتمع والدولة.

في الداخل الأمريكي، تُقدَّس المؤسسات، ويُحتكم للقانون، وتُحترم نتائج الانتخابات، مهما كانت قاسية على بعض الأطراف. أما في الخارج، فالأمر مختلف تمامًا. فواشنطن لا تتردد في دعم أنظمة استبدادية طالما أنها تحقق مصالحها، وتغض الطرف عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان إذا صدرت عن حلفاء، بينما تُضخِّم الأخطاء حين تصدر عن خصوم. هذا السلوك يُظهر بوضوح أن الديمقراطية في المنظور الأمريكي أداة سياسية لا مبدأ عالميًا ثابتًا. تُستخدم حين تخدم المصالح، وتُهمَل حين تعيقها. ولذلك، لم تعد شعوب كثيرة تنظر إلى الخطاب الأمريكي بوصفه خطابًا أخلاقيًا، بل بوصفه غطاءً ناعمًا للهيمنة.

المشكلة أن الولايات المتحدة لا ترى نفسها شريكًا للدول الأخرى، بل وصيًا عليها. فهي لا تكتفي بالتأثير، بل تسعى إلى التوجيه، ثم التحكم، ثم المحاسبة. هذا المنطق الوصائي يتناقض جذريًا مع فكرة السيادة الوطنية، ويُنتج مقاومة طبيعية من الشعوب التي ترفض أن تُدار شؤونها من الخارج، مهما كانت الشعارات المرفوعة. وقد أثبت التاريخ أن الشعوب قد تصبر على أنظمتها، لكنها لا تقبل طويلًا بوصاية أجنبية، خاصة حين تأتي في ثوب ديمقراطي زائف.

هل تغيّر شيء؟ رغم كل هذه التجارب المريرة، لا تبدو الولايات المتحدة وقد غيّرت جذريًا من نهجها. صحيح أنها أصبحت أقل ميلًا للاحتلال المباشر، لكنها انتقلت إلى أشكال أخرى من التدخل: العقوبات، الضغوط السياسية، إدارة الصراعات بالوكالة، والتلاعب بالاقتصادات. وكلها أدوات لا تقل أثرًا عن القوة العسكرية، لكنها أكثر “نظافة” من حيث الكلفة السياسية المباشرة، غير أن النتيجة غالبًا واحدة: دول غير مستقرة، شعوب ناقمة، ونظام دولي أكثر هشاشة.

العالم اليوم أكثر وعيًا بهذه الازدواجية. لم تعد الشعوب تُصدّق بسهولة خطاب “نشر الديمقراطية”، ولا ترى في التدخلات الأمريكية خلاصًا من أزماتها. بل على العكس، بات كثيرون ينظرون إلى هذه التدخلات بوصفها مصدرًا إضافيًا للأزمات. ومع صعود قوى دولية جديدة، وتراجع القدرة الأمريكية على فرض إرادتها منفردة، يبدو أن الاستمرار في النهج ذاته لن يؤدي إلا إلى مزيد من الإخفاقات، وربما إلى تقويض المكانة الأمريكية نفسها.

إنّ أخطر ما في السياسة الأمريكية ليس أخطاؤها، بل إصرارها على تكرار الأخطاء ذاتها. فيتنام، أفغانستان، العراق، ليست مجرد محطات تاريخية، بل شواهد حيّة على فشل نموذج التدخل القائم على القوة والازدواجية. فالديمقراطية لا تُصدَّر، ولا تُفرض، ولا تعيش في بيئة تُدار بعقلية الاستبداد الخارجي. ومن يريد أن يكون حاملًا لقيم الحرية، عليه أولًا أن يكون صادقًا معها، في الداخل كما في الخارج، وحتى تدرك الولايات المتحدة هذه الحقيقة البسيطة، سيظل العالم يدفع ثمن تناقضاتها، وستظل هي تبحث عن نصر لا يأتي، وتعيد إنتاج هزائمها بأسماء وشعارات جديدة