الخط الفاصل بين الإنتاجية والاستغلال
لم تعد ساعات العمل الطويلة استثناء تفرضه ظروف طارئة، بل تحولت في كثير من بيئات العمل إلى قاعدة غير مكتوبة، يقاس بها الالتزام، وتمنح على أساسها صكوك "الإخلاص المهني"، يعمل الموظف 12 ساعة متواصلة، وربما أكثر، لا لأن العمل يتطلب ذلك دائما، بل لأن ثقافة سائدة رسّخت فكرة أن البقاء الطويل يعني إنتاجية أعلى، وأن المغادرة في الوقت المحدد تهمة خفية تستوجب الشك.
في ظاهر الأمر، يبدو هذا النمط دليلاً على الجدية والطموح، لكن السؤال الجوهري هو، هل تعني زيادة الساعات بالضرورة زيادة الإنتاج؟ أم أننا أمام استنزاف مُقنّع يعاد تسويقه بلغة الإنجاز؟.
الإنتاجية، في جوهرها، ليست سباق تحمّل، بل قدرة على التركيز، واتخاذ القرار، والإبداع، وكلها قدرات تتآكل مع الإرهاق، الموظف الذي يبدأ يومه بنشاط، سينهي ساعته الثامنة بجهد أقل، فما بالك بالساعة الثانية عشرة؟ هنا لا نتحدث عن إنجاز إضافي، بل عن أخطاء محتملة، وتراجع جودة، وقرارات تُتخذ بدافع التعب لا الحكمة.
المفارقة أن بعض المؤسسات تشتكي من ضعف الإنتاج، بينما تصرّ في الوقت نفسه على نماذج عمل تُنهك الإنسان قبل أن تُنهك النظام، يتم تحميل الموظف مسؤولية التراجع، دون الالتفات إلى أن العقل المرهق لا ينتج أفضل ما لديه، مهما بلغت درجة التزامه، وهكذا، يصبح طول الوقت بديلاً كسولًا عن حسن الإدارة والتخطيط.
الأخطر من ذلك أن ساعات العمل الطويلة تُستخدم أحيانًا كأداة غير مباشرة للسيطرة، حين يُسلب الموظف وقته، يُسلب توازنه، ويضيق هامش حياته خارج العمل، ومع الوقت، يفقد القدرة على الاعتراض أو حتى التفكير في بدائل. يتحول القبول بالأمر الواقع إلى وسيلة للبقاء لا خيارا حرا، هنا، لا نكون أمام ثقافة عمل، بل أمام علاقة غير متكافئة، يعاد فيها تعريف الاستغلال على أنه "متطلبات المرحلة".
لا يعني هذا التقليل من قيمة الاجتهاد أو التقاعس عن أداء الواجب، بل على العكس، هو دفاع عن العمل بمعناه الصحي والمنتج، العمل الذي يحترم الإنسان، ويمنحه وقتا للراحة، ولأسرته، ولذاته، هو العمل القادر على الاستمرار، أما استنزاف الطاقات بحجة المنافسة والسرعة، فهو استثمار قصير الأمد، يدفع ثمنه الأفراد والمؤسسات معًا.
الخط الفاصل بين الإنتاجية والاستغلال قد يكون دقيقا، لكنه واضح في نتائجه، حين يصبح الإرهاق مزمنا، والوقت الشخصي ترفا، والراحة ضعفا، نكون قد تجاوزنا حدود العمل المعقول، عندها، لا بد من إعادة طرح السؤال، هل نعمل أكثر لأننا ننتج أكثر؟ أم لأننا عجزنا عن بناء بيئات عمل عادلة تقيس الإنجاز بما يُنجز، لا بعدد الساعات التي تُستهلك؟.