ما لا يذكره دفتر الصيانة

29 January 2026
الأعطال في المطبخ ليست مجرد قصص بسيطة عابرة (غيتي)
الأعطال في المطبخ ليست مجرد قصص بسيطة عابرة (غيتي)
max.hussam@hotmail.com
حسام علي البحيري
تابع الكاتب عبر :

في أحد الأيام تعطلت الثلاجة، بالنسبة لفريق الصيانة هذا مجرد بلاغ يُسجل بين عشرات البلاغات، عطل بسيط، لكن بالنسبة لي، يشبه الأمر جلطة في قلب المطبخ في منتصف وردية مزدحمة بالطهاة ومطعم مليء بالضيوف.

المطبخ ليس مكانا لتأجيل المشاكل، أصغر التفاصيل قد تعكر صفو عملية التشغيل، حين تتعطل آلة يختلّ التوازن كله، تبدأ الأعصاب بالارتباك، وتتوالى الأسئلة بصوت مكتوم وثقيل: هل سينجو الدجاج و"ريش الغنم المتبلة"؟ هل سيفقد الخس "قرمشته"؟ هل سيتحول "الكريم بروليه" إلى ماء وحليب، وتُبتلع "قرمشة السكر المكرمل" في منتصف الطريق إلى طاولة الضيف؟ 

لا أحد خارج المطبخ يفهم حجم هذا الخلل، ولا أحد يريد أن يسمع تفاصيله لأن في المطعم الطلب غير قابل للانتظار، والضيف لا يعرف ما وراء الستار. 

نحن نعرف أن الثلاجة ليست صندوقا باردا وحسب، بل ذراعا نحتمي بها في وجه الوقت وفساد الطعام وضغط العمل. المقلاة ليست آلة، بل وسيلة إسعاد لطفل وعده والداه بالبطاطا المقلية نظير تهذيبه.

حين تتعطل آلة، يتعامل معها الجميع كقطعة قابلة للإصلاح أو التبديل، لكنني كلما تعطلت آلة أتذكر يوما لم يكن فيه العُطل عطلًا في الحديد، بل في قلبٍ من لحمٍ ودمٍ يسري في الوريد.

في بداية جائحة كورونا، خسرنا الطاهي طيّب الذِكر الذي كان يعمل في المطبخ الرئيسي ومشرفاً على طعام الموظفين، واسمه نور الدين. لم يكن نجما في عالم الطهاة، ولم يكن اسمه يُذكر في اجتماعات المدراء، لكنه كان قلبا نابضا في المطبخ، كان ينسى الملح أحيانا ويضع الكثير من الفلفل الحار اللاذع، لكنّه لا ينسى أن يُلقي السلام ويسأل "كيفك اليوم؟"، يشاركنا ابتسامته قبل أن يشاركنا أطباقه اللذيذة، لم يكن يٌعِدّ طعامًا فقط، كان يطبخ دفئا لعشرات الموظفين.

عندما رحل نور الدين، لم نستطع استبداله حالاً، حاولنا لسنة كاملة أن نُغطي غيابه، أن نُعيد ترتيب الأدوار، أن نضبط المذاق الذي فُقد، بعدها كل شيء بدا مضبوطا إلا الشعور، الشعور بأن شيئا ناقصا، بأن هناك ركنا خفيا انكسر في المطبخ ولم يُصلح، ليس لأنه طاه عظيم فقط، بل لأنه كان موجودا، كان يُتقن حضور الإنسان البسيط الذي لا تُدرك قيمته إلا عند غيابه، كان من النوع الذي تشعر بأنه يساندك دون أن يقول شيئًا.

اليوم حين تتعطل آلة يأتينا عامل الصيانة بابتسامته الباردة ويقول: "بسيطة، نرجعها تشتغل بعد كم ساعة"، وأنا أهز رأسي، وأفكر بالذي لا يمكن إرجاعه ولا استبداله، أفكر في العطل الحقيقي الذي لا يُسجل في دفاتر الصيانة ولا يأتي أحد لإصلاحه، بعض الأعطال يمكن إصلاحها، ولكن الأرواح التي غابت عنا، تهمس لنا أحيانا بصوتٍ نسمعه دون أن يكون موجودا.

الزمن يمضي وهو كفيل كالعادة بإعطائنا هدية النسيان لكل روحٍ يغيبها الموت، لكننا أحيانا نلتفت فجأة ونشعر أننا ما زلنا نفتقده، ونجده بين حين وحين في الممرات ورائحة "البرياني"، هناك وجوه لا تُنسى، رحمة الله عليك يا نور الدين .