مجلس السلام بين الواقعية السياسية والأخلاق الدولية

30 يناير 2026
المجلس إطار تعاوني مرهون بقبول الأعضاء وشروطهم (غيتي)
المجلس إطار تعاوني مرهون بقبول الأعضاء وشروطهم (غيتي)
mahde2797@gmail.com
مهدي عثمان الشوابكة
تابع الكاتب عبر :

في عالمٍ تتكاثر فيه الأزمات وتتعثر فيه الحلول لا تُقاس المبادرات السياسية فقط بمدى مثاليتها، بل بقدرتها على العمل داخل واقع دولي معقد. من هذا المنطلق يبرز "مجلس السلام" بوصفه محاولة جادة للخروج من حالة الجمود التي أصابت مفهوم إدارة النزاعات، لا كمشروع مثالي معزول عن السياسة، بل كأداة واقعية تسعى إلى تقليل الخسائر الإنسانية وفتح مسارات استقرار ممكنة.

الفلسفة السياسية تعلمنا أن السلام ليس نقيض القوة، بل نتيجة لتنظيمها ومن الخطأ النظر إلى أي إطار جديد للسلام بوصفه تهديداً تلقائياً للنظام الدولي القائم، فالتاريخ السياسي نفسه هو تاريخ محاولات مستمرة لإصلاح أدوات إدارة الصراع، وكل مؤسسة قائمة اليوم كانت في لحظة ما فكرة جديدة أثارت القلق والشك، من هذا المنظور لا يُقرأ مجلس السلام كبديل عدائي، بل كاستجابة عملية لقصور متراكم.

الدول التي قبلت الانخراط في المجلس، وفي مقدمتها الأردن، تنطلق من رؤية سياسية عقلانية ترى أن الانسحاب من المبادرات الدولية لا يحمي المصالح ولا يخدم القضايا الإنسانية. النهج الأردني تاريخياً يقوم على التفاعل المسؤول، والمشاركة في صياغة الحلول من الداخل لا الاكتفاء بمراقبتها من الخارج، والقبول بالمجلس هنا لا يعني تفويضاً مطلقاً، بل حضوراً فاعلاً يهدف إلى ضبط المسار وتوجيهه نحو مقاربة أكثر توازناً وعدالة.

سياسياً، يُحسب للمجلس أنه يعترف ضمنياً بأن إدارة الأزمات لم تعد تحتمل الانتظار الطويل أو التعطيل المتكرر فالمآسي الإنسانية، خصوصاً في مناطق النزاع، لا تتوقف عند حدود الخلافات القانونية أو السياسية. المجلس في جوهر فكرته، يحاول سد الفجوة بين الحاجة الإنسانية العاجلة وبين التعقيدات الدبلوماسية، وهو هدف لا يمكن إنكاره أخلاقياً حتى من أشد المنتقدين، أما فلسفياً فالسؤال ليس حول كمال المجلس، بل عن البديل؟

رفض أي مبادرة جديدة بحجة الخوف من الهيمنة قد يبدو موقفاً أخلاقياً، لكنه في كثير من الأحيان يترك الضحايا رهائن لفراغ سياسي قاتل، السلام في هذا السياق لا يُنتج من المثالية وحدها، بل من القدرة على اتخاذ قرارات غير مثالية في ظروف غير مثالية.

هذا لا يعني تجاهل التحفظات المشروعة، فكل مجلس يحمل خطر الانزلاق نحو البيروقراطية أو التأثر بموازين القوة لكن الفارق الجوهري يكمن في آلية التعامل مع هذه المخاطر، المشاركة الفاعلة، والضغط من داخل المؤسسة، والمطالبة بالشفافية والمساءلة، هي أدوات سياسية أكثر فاعلية من الرفض المطلق، وهنا تتجلى قيمة الدول التي تدخل المجلس بنهج أخلاقي واقعي، لا بمنطق التبعية ولا بمنطق العداء من زاوية السيادة.

لا ينبغي النظر إلى المجلس كقوة فوق الدول، بل كإطار تعاوني مرهون بقبول الأعضاء وشروطهم. السلام المفروض يفشل، أما السلام المتفاوض عليه، حتى ضمن هياكل دولية، فيبقى قابلاً للتطور والتصحيح، ووجود دول ذات ثقل أخلاقي وسياسي داخل المجلس يحدّ بطبيعته من احتمالات الانحراف.

هكذا يُفهم السلام سياسياً: فعلٌ مستمر لا شعار، ومسارٌ قابل للتقويم لا حقيقة مكتملة، وإذا كان العالم لا يحتمل مزيداً من الانتظار، فإن الدخول الواعي في مثل هذه المبادرات قد يكون أقلّ الخيارات كلفة، وأكثرها إنسانية.