لبنان على الشبكة: جرائم "بسرعة الضوء"

01 October 2025
Mecharbelarab@gmail.com
شربل كميل عرب
تابع الكاتب عبر :

شهد لبنان في العقدين الأخيرين تطوراً هائلاً في مجال التكنولوجيا والاتصالات، الأمر الذي فتح الباب واسعاً أمام بروز نوع جديد من الجرائم باتت تعرف بـ"الجرائم الإلكترونية"، ترتكب بواسطة الحاسوب أو الشبكات أو تطبيقات الهواتف الذكية، وتشمل إلى جانب سرقة البيانات أو القرصنة التقليدية، النصب والاحتيال، انتحال الهوية، الابتزاز بالفيديوهات والصور، والتلاعب بالمعاملات المالية والمصرفية. 

أمام هذا الواقع، أصدر المشرع اللبناني القانون رقم "81/2018" المعروف بـ "قانون المعاملات الإلكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي"، حاول من خلاله تنظيم التعاملات الرقمية من جهة وتجريم بعض الأفعال الإلكترونية من جهة أخرى، إلا أنّ القانون ،رغم أهميته، جاء مجزأ وغير شامل، إذ لم يضع منظومة متكاملة لمكافحة الجرائم الإلكترونية واقتصر على معالجة بعض الأفعال، تاركاً ثغرات كبيرة لا سيما لناحية تحديد العقوبات بشكل واضح ورادع. 

لم ينشر القانون أيضا بطريقة مناسبة، فأعلن عنه في الجريدة الرسمية التي يحتاج المواطن للدفع من أجل الوصول إلى محتواها إلكترونيا، لذا يتوجب توعية الرأي العام اللبناني أكثر حول تطور القوانين الإلكترونية في ظل ارتفاع احتمال تزوير البيانات والصور باستعمال الذكاء الاصطناعي، وهو ما يفرض تدقيقا أكبر على المحتوى الإلكتروني المنشور والمعروض وبخاصة من المحترفين.

من الجرائم الإلكترونية الشائعة في لبنان الاحتيال الإلكتروني مثل إيهام الناس بمشاريع استثمارية أو تحويلات مالية مزعومة، وكذلك الابتزاز الجنسي وخاصة للقاصرات، بالصور أو الفيديوهات، وهناك أيضا القرصنة المعلوماتية عبر اختراق الحسابات الشخصية أو المواقع الإلكترونية للمؤسسات الرسمية، كذلك نشر الأخبار الكاذبة عبر وسائل التواصل الاجتماعي بغرض التشهير أو إثارة الذعر بين المواطنين. 

رغم وجود النصوص القانونية تواجه الأجهزة القضائية والأمنية اللبنانية عقبات عدة في التعامل مع الجرائم الإلكترونية، أبرزها صعوبة تتبع أثر المجرمين بسبب استخدامهم لشبكات "VPN" وتشفير البيانات، وهو ما يستدعي دعم المحققين وكل المعنيين في هذا المجال تقنيا وماديا ولوجستيا، كذلك هناك من الصعوبات غياب التنسيق الدولي الفعّال، حيث أن الجرائم الإلكترونية ذات طابع عابر للحدود إلى حد كبير وبخاصة القرصنة المصرفية. 

بالنسبة للحلول فيحتاج لبنان إلى قانون عصري موحد يحدد الجرائم الإلكترونية وعقوباتها، يكون قاسيا ورادعا وواضحا للرأي العام عملا بحق الوصول إلى المعلومات، يأتي بعدها تعزيز القدرات التقنية لدى الأجهزة الأمنية والقضائية وفتح فروع لمكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية، مكتب في كل قضاء مع تدريب تقني للعناصر واستقدام طلاب جامعات ومتخصصين إلكترونيا. 

من الحلول أيضا تفعيل التعاون الدولي لملاحقة المجرمين عبر الحدود من خلال توقيع اتفاقيات عربية ودولية مع المكاتب المشابهة والشرطة الدولية، كذلك تحتاج الدولة إلى برامج توعية مجتمعية لحماية الأفراد خاصةً القاصرين، من الوقوع في الفخاخ الإلكترونية، وتوعية الأهل بضرورة البقاء قرب أولادهم وزيادة الثقة بهم وتعليمهم أن الحرية لم تكن يوما في التعري أو تعاطي المخدرات أو الرقص الخليع على وسائل التواصل. 

الجرائم الإلكترونية اليوم لا تقل خطورة عن التقليدية بل تفوقها أحياناً لسرعة انتشارها وامتدادها العابر للحدود مع عدم إمكانية ضبطها بسهولة، وهو ما يجعل الرقابة في العائلة وتنبه الناس للتزوير وكذب المحتوى الإلكتروني من الأمور الهامة والأساسية للوقاية. 

على المستوى الوطني يحتاج لبنان إلى مقاربة جدية لهذا الخطر، قانون من مجلس النواب وممارسة من القضاء والأمن لضمان سلامة المجتمع وحماية الأفراد والمؤسسات من أخطار الفضاء الرقمي، ذلك لأن سرعة الجريمة يجب أن يقابلها قدرة على التنبؤ بها ومنع وقوعها بخطوات استباقية كي لا يحكمنا الذكاء الاصطناعي ونصبح روبوتات بيده.