حين تُصنَّف القصص الفلسطينية كتهديد
ما جرى في الدورة الأخيرة من مهرجان كيرالا السينمائي الدولي لم يكن مجرّد خلاف إداري حول «إعفاء رقابي»، بل لحظة كاشفة عن تحوّل أعمق في علاقة الدولة بالثقافة، وبالسينما تحديدا، وبالسرديات التي لا تنسجم مع المزاج السياسي السائد. فحين تُمنَع أفلام فلسطينية من العرض، إلى جانب أعمال عالمية كلاسيكية، فإن المسألة تتجاوز حدود الذوق أو الإجراءات، لتدخل مباشرة في قلب الصراع على المعنى والذاكرة والحق في التعبير.
اللافت أن المبرّر التقني، رفض إعفاء رقابي لعدد من الأفلام، بدا غطاء رقيقا لقرار سياسي ثقيل، فالمعروف تاريخيا أن المهرجانات السينمائية كانت دائما مناطق شبه محرّرة، تُعرض فيها أعمال لا تجد طريقها إلى الشاشات التجارية، لا لأنها خطر، بل لأنها تطرح أسئلة محرجة. الجديد هنا هو كسر هذا العُرف، وتحويل الاستثناء إلى قاعدة، ما أربك جدول المهرجان ووجّه رسالة ردع إلى منظميه وصنّاع الأفلام على حد سواء.
التركيز على الأفلام الفلسطينية ليس تفصيلاً عابرا. هذه الأعمال لا تحمل سلاحا سوى الكاميرا، ولا ترفع شعارا سوى الذاكرة. لكنها في السياق الدولي الراهن، تُعامَل كعبء دبلوماسي، وكأن سرد الألم الفلسطيني بات تهمة. حين يُقال إن عرض فيلم قد "يُربك العلاقات الدولية"، فذلك اعتراف ضمني بأن السينما ما زالت قادرة على إزعاج السلطة، وأن الصورة رغم كل شيء، لم تفقد قدرتها على الإدانة.
تراجع حكومة الولاية عن موقفها الأولي، بعد لهجة التحدي، أظهر حدود المواجهة الممكنة داخل نظام مركزي صارم. التلويح بقانون السينما لسنة ألفٍ وتسعمئةٍ واثنتين وخمسين، بقسوته العقابية، أعاد إلى الأذهان لغة الوصاية القديمة، حين كانت الدولة ترى في الجمهور قاصرا، وفي الفن خطرا يجب تطويقه. المفارقة الساخرة أن هذا يحدث في مهرجان يُعد من الأكثر جماهيرية في البلاد، حيث تمتلئ القاعات بآلاف المتفرجين، لا بنخب معزولة.
الأخطر من المنع ذاته هو الأثر التراكمي: تضييق المجال العام، وتجفيف المنصات التي تسمح بتعدّد الأصوات. فبينما تُمنَح مساحات واسعة لأفلام دعائية ذات خطاب أحادي، يُدفع بالسينما المستقلة والتقدمية إلى الهامش. وهنا لا يعود السؤال عن فيلم أو مهرجان، بل عن مستقبل الخيال نفسه: من يحق له أن يتكلم؟ وأي قصص يُسمَح لها بالعيش؟
إن استهداف مهرجان كيرالا، في عامه الثلاثين، ليس صدفة. هو محاولة لإعادة رسم حدود المسموح ثقافيا، وكبح تقليد طويل من الانفتاح السينمائي الذي أسهم في نضج تجربة سينمائية محلية جريئة. وفي زمن تتقلّص فيه المساحات الجامعة، يصبح الدفاع عن هذه المنصات دفاعا عن فكرة العيش المشترك، وعن حق الاختلاف، وعن السينما بوصفها ذاكرة الناس لا نشرة رسمية.