حين تصنع الشاشة ميزان القوة

19 February 2026
تأثير الإعلام على توجهات الشعوب عابر للحدود (وسائل التواصل)
تأثير الإعلام على توجهات الشعوب عابر للحدود (وسائل التواصل)
blogamal30@gmail.com
امال السعودي
تابع الكاتب عبر :

أثار تخصيص برنامج الاتجاه المعاكس على قناة الجزيرة لموضوع تونسي موجة غضب واسعة في الشارع، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي. لم يكن الغضب موجّهًا فقط إلى مضمون النقاش، بل طال المذيع نفسه، فيصل القاسم، الذي تعرّض لشتائم واتهامات حتى قبل بثّ الحلقة. غير أن هذا التفاعل الانفعالي حجب السؤال الأهم: كيف تُمارَس سلطة الإعلام؟ ومن يملك أدوات التأثير في الفضاء العام؟

الجزيرة، سواء اتفقنا أو اختلفنا معها، تُعدّ قناة ذات انتشار عربي ودولي واسع، وتمتلك خبرة طويلة في إدارة البرامج الجدلية وصناعة النقاش العام. في المقابل، يعاني المشهد الإعلامي التونسي من فراغ واضح؛ قنوات يغلب عليها الإشهار الاستهلاكي، وبرامج ترفيهية سطحية، وإعادة متكررة لمسلسلات قديمة، دون قدرة حقيقية على التأثير خارج الحدود الوطنية أو فرض رواية إعلامية منافسة.

في هذا السياق، جاء اختيار الشيخ الهنتاتي ليكون ناطقًا باسم السلطة في البرنامج، وهو شخصية معروفة في تونس باندفاعها، وبُعدها عن التحليل السياسي الرصين، وارتباطها بالجدل والسخرية أكثر من ارتباطها بالحجة والفكر. ويرى متابعون أن هذا الاختيار لم يكن عشوائيا، بل يندرج ضمن منطق ما يُعرف بالذكاء الإعلامي، حيث يتحول الضيف ذاته إلى جزء من الرسالة.

في العمل الإعلامي، لا تكون الرسالة دائما فيما يُقال، بل أحيانا في من يُترك له الكلام، فاختيار ضيف ضعيف الحجة أو غير متوازن لا يخدمه وحده، بل يكشف الخطاب الذي يدّعي تمثيله، هنا، لا يحتاج الصحفي إلى الإدانة المباشرة، إذ تقوم الصورة وأسلوب الخطاب بالمهمة دون تدخل صريح.

أما التساؤلات حول ما إذا كان هذا الاختيار نوعا من الانتقام من فيصل القاسم بسبب ما تعرّض له من شتم قبل الحلقة، فيستبعدها مختصون، معتبرين أن الإعلام المحترف لا يشتغل بمنطق الثأر الشخصي، بل بمنطق التأثير والرسائل غير المباشرة، فالسلطة الإعلامية لا تُمارَس بالصراخ، بل بالاختيار، وبإدارة المشهد.

ردّ الفعل التونسي القائم على الشتم والتخوين والضجيج، لم يُربك الجزيرة، بل عزّز حضورها، ورفع نسب المشاهدة، وأعاد تأكيد مركزيتها، وكرّس حقيقة أساسية: من لا يملك إعلاما قويا، يجد نفسه دائما في موقع ردّ الفعل لا الفعل.

إن مواجهة الجزيرة أو محاسبتها لا تكون بالمنع أو المقاطعة أو التصعيد اللفظي، بل بخلق إعلام تونسي حقيقي، قنوات في حجم التحدّي، صحفيون في مستوى النقاش، وخطاب قادر على الدفاع عن نفسه بالحجة والعمق. فالإعلام لا يُواجَه بالغضب، بل بإعلامٍ أقوى.

في عالم تحكمه الصورة والكلمة، أصبحت السيطرة اليوم لمن يملك إعلاما قويا، قادرا على فرض أجندته وصياغة روايته، ومن لا يملك هذا السلاح، لا يشارك في صناعة النقاش، بل يتحول إلى موضوع داخله، وتلك هي المعضلة الحقيقية التي كشفتها الحلقة لا ما قيل فيها.