تساؤلات حول الانفلات الأمني في أمريكا
لا يكاد يمر يوم في الولايات المتحدة دون أن نستيقظ على خبر جديد عن حادث إطلاق نار جماعي، في مدرسة أو جامعة أو مستشفى أو متجر، أو حتى في شارع عادي، وغالباً ما يكون ضحايا هذه الحوادث أطفال وطلبة ومدنيون وأشخاص كانوا يمارسون حياتهم اليومية بقدر من الطمأنينة التي يشعر بها المرء في الأماكن العامة في أي مكان في العالم.
ومؤخرا، أُضيفت حلقة جديدة في هذه السلسلة الطويلة من العنف المسلح الذي بات جزءا لا يتجزأ من المشهد الأمريكي اليومي، مع حادث إطلاق نار الذي جرى داخل حرم جامعة "براون" في ولاية رود آيلاند شمالي شرق الولايات المتحدة الأمريكية، حيث لقي شخصان حتفهما وأُصيب ثمانية آخرين بجروح خطيرة، ما أشعل مجدداً الحوار حول الانفلات الأمني في الداخل الأمريكي، والتعسّف في منح المدنيين حق امتلاك السلاح.
وتثبت لنا هذه الحادثة أن حتى الجامعات العريقة والأماكن المرموقة أمثال براون ليست بمنأى عن العنف المسلح الاعتباطي، وأن الحرم الجامعي في أمريكا لم يعد مساحة آمنة كما يُفترض أن يكون، فالطلبة وطاقم التدريس والإداريين والطلبة الذين يقيمون في السكن الجامعي باتوا جميعهم عرضة لاحتمال الموت المفاجئ، في دولة يُفترض أنها من أكثر دول العالم تقدماً وقدرة على حماية مواطنيها.
هذا الواقع يضعنا أمام تساؤلات عديدة حول ثقافة السلاح في أمريكا، ومفهوم الأمن الداخلي، والثمن الذي يدفعه المجتمع الأمريكي مقابل التمسّك شبه المقدس بحرية امتلاك السلاح، حتى أصبح العنف المسلح ظاهرة مرعبة تهدد حياة كل من يعيش في الدولة، وأي شخص يعيش في أمريكا يدرك أن عمليات إطلاق النار تحدث بشكل شبه يومي في الأماكن العامة، ويذهب ضحاياها الكثير من الأبرياء، وهو ما يثير بداخلنا التعجّب من هذا الخلل البنيوي الكارثي الذي لم يعد من الممكن تجاهله أو تبريره بأي شكل من الأشكال.
كيف لدولة تعتبر أضخم اقتصاد في العالم وتمتلك أضخم وأحدث الأجهزة الأمنية والاستخباراتية في العالم أن تعجز عن حماية طلبة في جامعاتها؟ وكيف تستمر حوادث العنف المسلح هذه في الحدوث على مدار عقود دون رادع واضح أو تغيير في منظومة التشريعات والقوانين المتعلقة بتملّك الأسلحة؟
ما يزال الجدل حول ضبط السلاح وملكية الأسلحة النارية من أكثر القضايا انقساماً في السياسة الأمريكية والمجتمع الأمريكي، والمضحك المبكي أن أمريكا لم تشهد منذ أكثر من ثلاثين عاماً أي تشريع فيدرالي كبير وجاد يضع حداً لهذه الفوضى، باستثناء قانون المجتمعات الآمنة الذي أُقر عام 2022، والذي اقتصر تأثيره على توسيع فحوصات الخلفية لمشتري السلاح دون سن الحادية والعشرين، ومع ذلك سقط آلاف الأشخاص ضحايا في حوادث إطلاق نار جماعية.
الولايات المتحدة معروفة عالمياً بأنها بلد السلاح، وهي سمعة لم تأت من فراغ بالطبع، فبحسب التقديرات يمتلك المدنيون في أمريكا نحو 393 مليون قطعة سلاح ناري، كما تمتلك الولايات المتحدة وحدها عدداً من الأسلحة النارية يفوق مجموع ما تمتلكه الدول الـ 24 الأعلى عالمياً في حيازة السلاح بين المدنيين، وتشير الإحصاءات كذلك إلى أن واحداً من كل ثلاثة أمريكيين يمتلك سلاحاً، بينما يعيش 44% في منازل يوجد بها سلاح واحد على الأقل.
لا عجب في وقاحة هذا التسيّب الشديد في امتلاك المدنيين للأسلحة، فكل رئيس أمريكي جديد يصل إلى البيت الأبيض يزعجنا بالوعود الكبيرة والكلام البرّاق حول إنعاش الاقتصاد، وتحسين الرعاية الصحية، والتعليم، والسياحة، وغيرها، لكن لم ينجح أي رئيس حتى اليوم في وضع حد حقيقي للتشريعات المتساهلة المتعلقة بامتلاك السلاح، والنتيجة أن الأرواح مازالت تُزهق دون حق، والحلقة المفرغة مازالت مستمرة.
حادثة جامعة براون تذكّرنا أن الانفلات الأمني الداخلي في الولايات المتحدة يتجاوز كونه شأن أمريكي داخلي، بل أصبح قضية أخلاقية وإنسانية تهم العالم كله، وتستدعي اتخاذ قرارات شجاعة وجادة تضع حياة الإنسان فوق أي حسابات أخرى، وإلا سيبقى العنف المسلح المستمر وصمة أبدية في جبين أمريكا، والمدنيون هم من سيدفعون دوماً الثمن الأكبر في انتظار من يوقف هذا الجنون وينصف ضحاياه.