لبنان بين سلاحين ودولة غائبة

08 February 2026
الجيش اللبناني تأسس في أغسطس "آب" 1945 (غيتي)
الجيش اللبناني تأسس في أغسطس "آب" 1945 (غيتي)
hmhmh1426@gmail.com
حسن منصور البارقي
تابع الكاتب عبر :

يعيش لبنان اليوم واحدة من أعقد أزماته التاريخية، حيث تتقاطع آثار الحرب الأهلية وبقايا الوصاية السورية وصعود "حزب الله"، مع عجز الدولة عن فرض سيادتها أو حماية حدودها، فالجيش اللبناني يبقى محاصرا بين قوتين: قوة إسرائيل التي تخترق الأجواء والحدود بلا ردع، وقوة داخلية تمتلك السلاح والقرار خارج سلطة الدولة، وهكذا يصبح الجيش "الاسم الرسمي" بينما الفعل العسكري الحقيقي يوجد خارجه.

هذه المعادلة لم تتشكل في يوم واحد؛ بل بدأت منذ الحرب الأهلية حين تفكك مفهوم الدولة، وتكرس أكثر في مرحلة الوصاية السورية التي قيّدت بناء مؤسسات مستقلة. ومع الوقت، تحوّل حزب الله إلى قوة تتجاوز قدرات الجيش نفسه، حتى صار وجود سلاحه جزءا من المعادلة السياسية اللبنانية لا من معادلة الأمن القومي.

اليوم، لبنان بلا مشروع واضح، وبلا خطة إنقاذ سياسية أو اقتصادية، وبلا قدرة على استعادة قراره الأمني. ورغم الدعم الدولي للجيش، فإنه مكبّل بقواعد اشتباك تمنعه من مواجهة الخروقات الإسرائيلية، كما تمنعه من الاقتراب من سلاح حزب الله، وهذا التناقض يجعل الجيش شاهدًا على كل شيء وعاجزا عن كل شيء.

الفكرة الأساسية هي دمج الأفراد كجنود داخل الجيش، وليس دمج هذه التشكيلات كفصائل مستقلة، والهدف من ذلك منع وجود قوة موازية للدولة، وضمان أن تكون كل القدرات العسكرية تحت قيادة واحدة ومنضبطة.

كما أن هذا الحل يُستخدم عادة في الحالات التي يخشى فيها الجيش أن يؤدي سحب السلاح إلى حرب أهلية، أو يكون غير قادر فعليا على نزع السلاح بالقوة، لذلك يتم تفكيك البنية الفصائلية بالكامل، ودمج الأفراد تدريجيا وفق المعايير العسكرية الرسمية، لضمان الاستقرار وبناء جيش موحد.

الحل هو توحيد القوة المسلحة داخل مؤسسة واحدة هي الجيش اللبناني، ليس عبر نزع السلاح بالقوة، بل عبر دمج عناصر "حزب الله" داخل الجيش كأفراد مستقلين، أي تحويل المقاتل إلى جندي لبناني ينتمي للمؤسسة الوطنية وليس للفصيل المسلّح.

أثبتت التجارب الإقليمية، كما حدث مع الدعم السريع في السودان والحشد الشعبي في العراق، أن دمج الفصائل ككتلة واحدة داخل الدولة يؤدي إلى نشوء قوة موازية، تبقى هويتها الأصلية أقوى من هويتها الوطنية، وتعيد إنتاج المشكلة بدل حلّها، هذا دليل واضح على أن أي دمج "كتلي" لا يُنتج دولة، بل "دولة داخل الدولة". 

أما في لبنان فالنهج المطلوب مختلف تماماً، أن ينضم كل عنصر على حدة، بلا كتلة، بلا هوية فصائلية، وبلا قدرة على التجمع كوحدة مستقلة. ينتقل من منطق "المحور" إلى منطق "المؤسسة"، ويُوزَّع ضمن وحدات الجيش بشكل طبيعي، تماما كما ينتشر الجنود في أي دولة مستقرة، ومع مرور الوقت تختفي الكتلة القديمة، ويبقى الأفراد مندمجين في العقيدة العسكرية اللبنانية.

تزامنًا مع هذا الدمج، يجري سحب السلاح من حزب الله، بحيث يصبح الجيش، ولأول مرة منذ عقود، الجهة الوحيدة التي تمتلك السلاح الشرعي، وهو وحده صاحب قرار الردع، وصاحب قرار مواجهة الخروقات الإسرائيلية.

هذا الحل يُصبح منطقيا خصوصا عندما يكون الجيش عاجزا عن نزع السلاح بالكامل، أو يخشى أن يؤدي نزع السلاح المباشر إلى حرب أهلية.

هذا المسار لو تم، لن يحقق المعجزة في سنة أو سنتين، لكنه يمثل البداية الحقيقية لعودة الدولة اللبنانية، فجيش موحد يعني قرارا موحدا، وسيادة غير منقوصة، وقدرة على فرض الأمن من الشمال إلى الجنوب، كما يفتح الباب لعلاقات دولية أمتن، ودعم عسكري واقتصادي أوسع، وثقة المجتمع الدولي بوجود مؤسسة واحدة واضحة تمثل الدولة حقا.

إن لبنان لن يستعيد نفسه ما دام السلاح خارج الدولة، وما دام الجيش يقف بين قوتين لا يستطيع التعامل معهما، أما دمج الأفراد، لا الفصائل، فهو الطريق الوحيد نحو دولة مستقرة، قادرة، وواضحة الوجهة. إنه أول خطوة في مسار طويل، لكنه المسار الذي يعيد للبنان جيشه ويعيد للجيش دولته.