ما الذي يحدث؟

10 يناير 2026
الواقع العربي يثير تساؤلات عدة لا إجابات لها (غيتي)
الواقع العربي يثير تساؤلات عدة لا إجابات لها (غيتي)
albrraq444@gmail.com
رافد البَرّاق
تابع الكاتب عبر :

ما الذي يحدث؟ سؤال يوجّه للذات عن الذات. وقد يكون فرديًا أو جمعيًا. لكنّه ليس بالسؤال السهل، حتى على مستوى طرحه، فهو يحتاج إلى روح شجاعة وقلب جسور وعقل منفتح على الأنا والآخر. 

هل نتجرأ، نحن العرب، على أن نطرح على أنفسنا هذا السؤال، أو نصفَه، أو حتى بعضه؟ وهل يتجرأ الإنسان العربي على طرحه على نفسه؟ ما الذي يحدث لي؟ كيمني، وكعربي، بل وكإنسان، لا أعرف. الأمر، حتى وإن تحلّيت بكامل الشجاعة، لا يزال يثير فيّ الرعب والاشمئزاز والقنوط في آن واحد. حتى مجرد تخيّل رومانسي للإجابة، أو تخيّل إيجاد عصا سحرية للحل يثير المشاعر ذاتها.

لا أفصل بين الواقع الجمعي والواقع الفردي. الواقع الجمعي يؤثر على الواقع الفردي بشكل رهيب. وبالمقابل، الواقع الفردي عندما يتفشى ويصبح ظاهرة يشكّل الواقع الجمعي ويعزّزه. من يؤثر بالآخر، المجتمع أم الفرد؟ هذا سؤال علم الاجتماع، سؤال وإن كنّا في مرحلة ما بحاجة إليه كنقطة ضوء تقودنا نحو مسارات مفتوحة على النور الكلي، إلّا أنّنا بحاجة أيضًا للتخلي عنه الآن. على الأقل بالنسبة لي.

ما الذي يحدث لي؟ لا أعرف، فالسماء رمادية والأفق مسدود والغيوم لا تبشّر بشيء. هكذا يتجلّى واقعي الفردي من خلال نظرتي الضيقة والمفتوحة أيضًا. مصاب بشلل يمنعني من أن أكون أنا، وهنا مجرد التفكير بالإرادة هزء بكل نواميس الحياة. وحياتي هي هزء أكبر، من الوجود كله.

ليس الأمر يأسًا أصابني نتيجة صدمات وتراكمات نفسية صعبة، أشعر بأمل كبير، لكنّني يمني. وهذه الصفة تميّزني عن الإنسان العربي الآخر بمأساة فضيعة خاصة، ولا تميزني عنه بالدرجة. لا بدّ أن للكثير صورة ذهنية مسبقة عما تعني هذه الكلمة أو الصفة.

اليمن لم يدخل العصر حتى الآن، لا يزال مسلولًا في غياهب وأنفاق الماضي ومخلّفاته الفكرية البنيوية. والمجتمع اليمني لا يزال مجتمع القبيلة، اجتماعًا، سياسة، اقتصادًا، وهوية. وأخلاقية الإغارة والسلب والنهب والدفاع عن ممتلكات القبيلة وأفرادها من الآخر، سواء القبائل المجاورة أو الآخر الخارجي، لا تزال أخلاقيات اليمني المعاصر.

بقاء هذه التكلّسات في البنيات اليمنية وفي بنيات الوعي أورثنا العجز على الخروج من المأزق وأنتج هذه الحرب الدائرة منذ أكثر عقد من الزمن. وهذه الحرب لا تُختصر بكلمة، ولا تستوعبها اللغة. فأنا كيمني غارق في البؤس والتعاسة والانكسار وفوقي طبقات فوقها طبقات.

يبدو الأمر وكأنه تباهٍ بما نحن اليمنيون عليه. لكن في عكاظ التعاسة العربية كل عربي له ما يميزه من المأساة والألم، في أسواقنا وبيوتنا وقلوبنا نعرض مآسي معقدة تحتاج إلى إله مهتم وجدّي لحلها، وربما إلى شيطان.

ما الذي يحدث لنا؟ حروب، فقر، جهالة، تخلّف، إرهاب، كراهية، استعمار، تشتت، أمراض، وكل أشياء الوجود السيئة، نملك كلّ هذا على المستوى القومي العربي وعلى المستوى الوطني لكل بلد تقريبًا وعلى المستوى الشخصي. 

نعاني من كل شيء دفعة واحدة، بدرجة مزمنة وعضال. ما الذي يحدث لنا؟ أنحن سيئو حظ بالخارطة الممتدة على قارتين، أم سيئو حظ بأنفسنا؟ أم أننا جنس فضيع من البشر وجد لاعتناق التعاسة والتشظي؟ أسئلة كثيرة، ولا إجابات.

البارحة قُتل صديقي. لا يوجد يوم في تقاويم الأرض لم يقتل فيها عربي ما في بقعة ما من الخارطة، بل ويقتل بدم بارد، ويذهب القاتل في نفس اليوم أو في اليوم التالي لتناول العشاء على ضوء الشموع وموسيقى هادئ.

من فرط القتلى من أصدقائي وأقاربي مقتل ألف عربي في فلسطين أو في سوريا أو في السودان أو في بلد عربي آخر أمر مألوف ولا يثير في ما يثيره القتل في إنسان سوي يعيش في بيئة سوية خالية من الاعتداء والعنف. 

أوكد لكم أنني لستُ متبلّد القلب. ربما، أنا وكثير من الشباب العرب، نجونا خلال هذه المرحلة سيئة السمعة من أن نكون ضحايا مباشرة، ومن أن نكون قتلة. مع ذلك، رغم أننا لا نزال على قيد الحياة والبراءة، نحن قتلى وقتلة. 

نحن ضحايا مجانية لعقل عربي وضمير عربي وماضٍ عربي وأخلاقية عربية وسياسة عربية. فما الذي يحدث لنا؟ أنا لا أعرف. هل يوجد شاب عربي، أو عربي من أي فئة عمرية يعرف ما الذي يحدث، أو قادر على أن يعرف؟

سؤال صعب بقدر المأساة الكبيرة التي نعيشها، سؤال ربما لن نجد له إجابات، فما بالكم بالحلول، حتى تقضي كل الأجيال الراهنة نحبَها. فمتى سنعرف ما الذي يحدث لنا؟ أو على الأقل متى سيعرف الفرد العربي ما الذي يحدث له؟