سوريا الوطن والخصوم

09 يناير 2026
سوريون يتجمعون في ساحة الأمويين بدمشق بعد سقوط الأسد (وسائل التواصل)
سوريون يتجمعون في ساحة الأمويين بدمشق بعد سقوط الأسد (وسائل التواصل)
hythamalsdyan@gmail.com
هيثم علي الصديان
تابع الكاتب عبر :

منذ أن تحوّل الحراك السلمي في سوريا، قبل أربع عشرة سنة، من مظاهرات سلمية بدأت بطلبات الإصلاح، فإسقاط النظام، لينتهي إلى صراع مسلح، عندما واجه النظام السابق تلك المظاهرات بالاعتقالات والتعذيب، ثم بالرصاص والتغييب، صارت سوريا وطنَ صراعٍ وتدميرٍ وخرابٍ وقتلٍ وفجائع، ليس بين النظام ومعارضته المسلحة وحسب، بل صارت وطنًا ثانيًا لكل من يريد أن يُصفّي حساباته، أو يجمعها، أو يضربها، أو يطرحها.

كأنها نبوءة نذيرية وعيدية لمقولة شارل فيرلو: «لكل إنسان متحضّر وطنان: وطنه الأصلي، وسوريا»؛ فقد اجتمعت كل الدول المتحضّرة في وطنها الأصلي لتفرغ شحنتها الاستعمارية المتوحشة في وطنها الثاني، الذي اختارته وطنًا لمصالحها وصراعاتها. والمهم منذ ذلك التحوّل، والحين الذي جاء بالحين، مفارقةٌ لم تحدث إلا في سوريا، وهي أن الأطراف والقوى المتصارعة تخدم بعضها بعضًا أكثر من خدمتها لتوجّهاتها ومصالحها وشعاراتها.

كان الأسد يخرج في خطاب متلفز ليبدأ بكيل الاتهامات التي لا يمكن أن تُصدَّق بحق معارضيه، فيتبادر إلى السامع المؤيد للمعارضة أن رئيس النظام يفتري على معارضيه ويكيل بحقهم اتهامات باطلة ما أنزل الله بها من سلطان. في اليوم التالي لخطاب الأسد، تجد معارضة النظام وقد فعلت وارتكبت أو نفّذت كل ما رماها به الأسد من الموبقات التي كانت بالأمس تجنّيًا وافتراءً، لتصير في اليوم التالي حقائق لا مِرية فيها: نهب، تخريب، تفكيك الممتلكات العامة وبيعها، تعالٍ وتسلّط وترويع للناس، وكشفًا عن ذهنية لا علاقة لها بفكر ثوري يريد أن يقيم دولة ذات سيادة لها وكرامة عيش لمواطنيها. والقائمة تطول؛ بل تحسب أنهم يحملون قائمة ببنود الاتهامات والموبقات التي ادّعاها الأسد، وهم يقرؤون منها ويجولون في سوق البؤس الشعبي ليشتروها ويحقّقوها من ثمن كرامة الناس وحياتهم وأرزاقهم. تتساءل عن السبب؟ فتحار جوابًا.

في اليوم الثاني يخرج إعلام النظام محمّلًا بنفسٍ طائفي إلغائي، ويظهر إعلاميّوه ومطبّلوه تفوح من أفواههم رائحة الاغتراب العروبي الذي ظلّوا عقودًا يتاجرون به ويقمعون الناس بسوط شرعيته، وتسير في شوارع سيطرته لتجده مزدحمًا بالشبيحة وأصحاب العضلات «البوتوكس»، وقد زنّخت روائح أجسادهم النتنة الفضاء.

يُساق أبناء الوطن وخيرة شبابه، المقبل على الحياة والساعي إلى معارفها وجمالها، تسوقهم أقدارهم وتختطفهم من أماكن عملهم وسعيهم وراء أقواتهم ومنافذ عيشهم وجامعاتهم، لينتهي مصيرهم تعذيبًا وتنكيلاً وتقتيلًا في معتقلات هذا النظام، على شبهةٍ نقلها مخبرٌ مجرّدٌ إلا من ضميره النتن، أو على قدر ربطه بقرابةٍ ما، أو مكانٍ هنا، أو حارةٍ هناك.

وتظهر كل يوم فيديوهات مسرّبة أو بطرق أخرى، لتريك مشاهد فجورٍ وإهاناتٍ وتفنّنٍ في القتل والإجرام؛ كل هذه المشاهد وكأنها جاءت ردًّا لجميل الأمس وما حملته من قائمة الموبقات التي كادت أن تكون مِينًا وبهتانًا، لولا نجدة خصوم السلاح وشركاء الاحتراب والدمار، فلم يرضوا أن يكونوا أقلّ شهامةً منهم، بحيث لم ينتهِ إلى مسامعهم تهويلٌ مفترٍ أو تهويماتُ حاقدٍ جمع ما جاد به خياله من أهوالٍ وألصقها بالنظام «الخصم»، إلا وقد جاءتهم صيحة هذا «الخصم» ملبّيًا نداء استغاثة الخيال المختلق والحناجر المفترية التي تندب: (وا مُجرماه، وا مُستبدّاه، وا فاجرَاه، وا وحشاه)، لتجيبه صيحة تقول: (أبشروا، وصلتم، ولكم ما ادّعيتم، ولا عاش أو نجا وتمكّن من يُخيّب مفترياتكم واختلاقاتكم).

سقط النظام وذهبت رموزه محمّلة بثرواتها وسبائكها ومغتنياتها، لتستريح من عبء وظيفة نفّذتها بمنتهى الغباء الممزوج بصلف العنجهية والجبروت، ووهم الحق الذي توهّمته وسامًا خُصّت به من دون سواها من خصومهم الشياطين الخونة. سقط وغادروا إلى منتجعاتهم وفيلاتهم ومواطن إقامتهم الجديدة، وقد تركوا خلفهم ذاك الجندي البائس الذي أمضى سنوات شبابه، أو مرحلة صلابة عظمه، بين بردٍ وخوفٍ وغربةٍ وموتٍ لا يفصله عنه أكثر من مسافة أجلٍ وقدر، يتحوّط منه في كل يوم عشرات المرات. سقط وغادروا بأبنائهم، وقد تركوا خلفهم ألوف الثكالى والمكلومين والمعوّقين والفقراء والأبرياء المساكين.

وبدأ النظام الجديد عهده وكأنه أبى أن يهرب النظام بعار كذبه ومفترياته ومقتنياته التي جناها بثمن دماء المساكين والمظلومين والأبرياء والضحايا، فعزم الجديد على توكيل نفسه محاميًا عن القديم، باذلًا أقصى ما لديه من حقدٍ وصلف، وجدَه تركةً من سابقه الذي سرق كل شيء، لكنه لم ينسَ أن يورّث خصمه وخليفته حقده وصلفه وعنجهية زهوه بالظفر والنصر على خصمه وسلفه، ومجهدًا وسع غبائه وطاقة جهله لجعل خصمه السالف ملاكًا وطنيًا وقوميًا ورمزًا للمصداقية والشرف والكبرياء.

لكن النظام الجديد، على الرغم مما بذله وحاوله من تحسين صورة خصمه الآفل، لم يفلح؛ لأن فلول النظام السابق كانوا للجديد بالمرصاد، فيأبون أن يقبلوا مكرمة خصوم نظامهم، فعلى كل هدية هديّتان مقابلتان من تحسين وضع الجديد وتمكين شرعيته. حاول الجديد بكل ما أوتي من قدرة على التخبط والعبث، لكنه لم يفلح؛ لأن هناك خصمًا جديدًا أحبّ أن يشرعن انحرافه بوضع يده بيد المحتل الإسرائيلي، كعربون ثقة يحاول أن يغسل من خلال هذه الخطوة ما سال من دماء بريئة استجابت أرواحها الزكية لفوّهات بنادق نظامنا الجديد. حاول لكنه لم يفلح؛ لأن هناك خصمًا آخر يسعى جاهدًا بكل ما أمدّته بوصلته المنحرفة من انحراف، في اللهاث وراء المزاودة في سرقة مقدّرات الوطن وقمع الناس والتغوّل على هوياتهم، وتلهّفهم لتوحيد هذا البلد والخلاص من بلاء القدر وابتلاء قضائه؛ خصمًا أبى على نفسه إلا أن يشارك خصومه الفارين والباقين في عبء حمولة تاريخهم وثقل رصاص جعبهم، فاختار أن يكون له نصيب من الدماء يزيّن بها بنادقه، ومن النهب يملأ بها خزائنه، ومن عار الخراب والغار الممزوج بعطر التفرقة والعنصرية يكلّل بها جبينه.

إنهم الخصوم: تاريخُ مأثرةٍ وإيثار، وتبادل أدوار، وعشقٌ يحلّل تبادل اللذة بعقود نكاح على محرّمات الوطن وشرفه المسفوك دمًا على جبين الأبرياء، والمتناثر جوعًا على أفواه الفقراء، والممزوج إثمًا في صحيفة الأتقياء، ودمعًا في عيون الكبرياء. إنها مفارقةُ تخاصمِ الخصوم التي لم يُبتلَ بداء مثلها غير هذا الوطن المشؤوم بأبنائه الخصوم، وإنها لوعة المفارقة وانقطاع مكاسب وصل الغرام وشهوته بينهم؛ مفارقة مزدوجة: غرائبية في اتصالها والتحام مصالحها واكتمالها، وحسية في تفارقها وانقطاع أسباب حياتها. إنها مفارقة بطعم دم وطنٍ طاهرٍ قانئ، يزيّن ملامح بؤس ضحاياه، وقاتم يهتك بكارة صباه.

كل هذا الغرام والاشتهاء، وما زلنا نحن الشعب المسكين نقدّم أعمارنا وأحلامنا وحقنا في الحياة وحصتنا من الحب والعشق والغرام، كلّها نقدّمها فداءً لذّات الخصوم الجناة، وكرهًا مشتعلًا نصطلي به ليستدفئ به ليل شتاء المستلذّين بشهوة محرّمات الوطن، تجّار الطوائف ومدمني معاقرة الطائفية. كل هذا الفجور وما زلنا وقود الكراهية: نحن الناس المساكين، نحن الشعب البئيس المثقل، ننوء تحت حمل الفواجع.