ماذا نتعلم من لقاء ترمب وممداني؟

30 نوفمبر 2025
ترمب وممداني خلال لقائهما في البيت الأبيض (غيتي)
ترمب وممداني خلال لقائهما في البيت الأبيض (غيتي)
rahma2002rrr@gmail.com
رحمة العطار
تابع الكاتب عبر :

تثبت السياسة لنا كل يوم وفي كل عصر وزمان أنه لا وجود لعداوات ولا صداقات أبدية راسخة، بل هناك فقط مصالح تتلاقى، أو تتقاطع ثم تفترق، أو لا تقترب من بعضها البعض أبداً، وذلك ليس حكراً على السياسة في منطقة جغرافية محددة، بل هذه هي طريقة سير اللعبة في العالم كله، في كل شاردة وواردة من المجتمع السياسي البراغماتي. ولا أدلّ على ذلك من اللقاء الذي تابعناه مؤخراً بحماس شديد والذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب وعمدة نيويورك المنتخب زهران ممداني في المكتب البيضاوي، والذي اعتقد غالبيتنا أنه سيكون اجتماعاً مشحوناً بالكراهية والمزيد من التهديدات، لكن كانت المفاجأة الكبرى أن اللقاء جرى بسلاسة غير متوقعة، ولغة مشتركة ونظرة ثنائية موحدة وموجهة نحو الهدف، مع تبادل الابتسامات وكلمات الترحيب الدافئة بين الطرفين، بعد أشهر من الخطابات الحادة وتبادل الاتهامات والنعوت والتهديدات. 

هذا التحول الذي شهدناه ليس نتيجة صداقة جديدة أو كيمياء نشأت بين الجانبين أو تراجع في الأقوال، بل هي نواة لعبة السياسة التي تتبدل كلياً وتتغير قواعدها عندما تنتقل الأطراف المعنية من ساحة الخطاب إلى طاولة اتخاذ القرار، فحين يغيب مشهد المصالح المشتركة عن الأعين، تحل محلها الأفواه، وتثرثر بخطابات قد تبدو كمتفجرات قادرة على إشعال الحروب والخلافات. لكن عندما تحين لحظة العمل الفعلي، تأخذ العداوات خطوة إلى الخلف، ويتقدم الهدف المشترك إلى الواجهة، رغماً عن أنف المعتقدات والأيديولوجيات السياسية والفكرية التي يعتنقها الجانبان، فمن كان يتخيل أن ترامب الذي وصف ممداني سابقاً بـ "الشيوعي" وقال صراحةً أنه يكرهه، وممداني الذي وصف ترامب سابقاً بـ "المستبد" وأدان دعمه للحكومة الإسرائيلية، سيقفان جنباً إلى جنب، يتحدثان بلغة مختلفة تماماً، لغة لم نعتدها في سياقٍ يجمعهما سابقاً، وهي لغة الحرص المشترك، والالتزام المشترك، والعمل المشترك الذي يعود في نهاية المطاف بالنفع على أمريكا، وعلى الأمن الاقتصادي لمدينة نيويورك، وعلى حياة ملايين الأمريكيين. 

يمكننا أن نستخلص من هذا اللقاء عدة دروس مستفادة، وفي مقدمتها أن السياسة لا تقوم على العواطف، بل على الحسابات، التي قد أو قد لا نفهمها كشعوب غير منخرطين في الصورة مباشرةً، وهذا أمر طبيعي في السياسة الناضجة التي تتبدل فيها نظرات ومعاملات الأطراف المعنية بشكل جذري حين يلمس كل طرف ما يمكن أن يقدمه الآخر له عملياً، وحين تدرك الأطراف أن المصلحة العامة لا تحتمل رفاهية الخصومات القائمة على أسباب شخصية تحيزية، وأن المسؤولية التي تقع على عاتق كل منها تحتّم عليها حذف مفهوم الصداقة والخصومة من معجمها، ووضع التفاهم والتعاون في سلم الأولويات. 

في الواقع، ليس بغريب أن نرى أضداداً يتحولون إلى شركاء متفاهمين، فالتاريخ مليء بقصص القادة الذين تقاتلوا ثم تقاربوا فيما بعد، والاتفاقيات التي جمعت دولاً خاضت الحروب الدموية المدمرة ثم جلست على طاولة واحدة وتحالفت رغم هوّة الأيديولوجيا بينها، وذلك لأن السياسة لا تعترف بالصداقة أو العداوة المطلقة، ولا تفهم سوى لغة المصالح، فضلاً عن أن ما يظهر على السطح في الحوار السياسي ليس بالضرورة ما يجري في العمق. 

لقاء ترامب وممداني علّمنا مجدداً أن الخلافات الساخنة الظاهرية بين السياسيين، مهما علا صخبها، لا تعني بالضرورة انسداد الطريق الواصل بينهم، وأن الخصومة الناتجة عن التحيز الفكري والديني والمفاهيمي لا تبدد المساحة المشتركة للنقاش والعمل بين الطرفين، فما يجمع الأطراف عند مائدة المصالح المشتركة واتخاذ القرار أكبر وأهم بكثير مما يفرقهم خارج المائدة.