رؤية في بناء السلطة بالعراق

27 نوفمبر 2025
abbasabbod@gmail.com
د. عباس عبود سالم
تابع الكاتب عبر :

تُعدّ السلطة في البيئة السياسية العربية، وبشكل خاص في العراق، فعلاً يقوم على التغلب والانتزاع أو التوريث لا على نتاج الاختيار الديمقراطي الأصيل أو قاعدة البقاء للأصلح. هذه قاعدة صلبة تحكم المشهد منذ عقود، فالسلطة هنا لا تُبنى على الصلابة الكارزمية أو القاعدة الشعبية المتينة التي تنتجها الاليات الديموقراطية، بل على استراتيجية الإقصاء الممنهجة التي تتبناها النخب الحاكمة، سواء كانت أوليغارشية حزبية، عسكرية، أو مُسيَّرة بنفوذ خارجي. 

تكررت مشاهد إبعاد الشخصيات القوية أو الكارزمية التي قد تشكل تهديداً لتوازنات القوة القائمة، وتفضيل تولية الضعفاء أو الأكثر طواعية ممن يسهل التحكم بهم وتصريفهم، هذا التفضيل ليس صدفة سياسية، بل هو آلية حماية ذاتية منتشرة داخل المؤسسات والأحزاب والكيانات من أجل استمرارية النفوذ وعدم المساس ببنيته الراسخة، وفق معادلة (قوة الضعف وضعف القوة). فقد فضل جمال عبد الناصر أنور السادات ليصبح نائباً له، على صقور مجلس قيادة الثورة ورموز القوة الحقيقية كعبد الحكيم عامر أو زكريا محيي الدين أو صلاح نصر. 

كرر السادات ذات الاستراتيجية بعد أن أطاح برموز القوة الناصرية واليسارية في "ثورة التصحيح" عام 1971، حيث اختار ضابطا لم تظهر لديه ميول سياسية هو محمد حسني مبارك نائباً، وقد كان المرشح المثالي لمنصب يمكن التحكم فيه، والأهم من ذلك، شخصية لن تحظى بالدعم الكافي من المؤسسة العسكرية لتتمكن من الانقلاب على القائد في حياته، كان ضعفه السياسي هو ضمانة النظام البنيوية. 

في العراق اتخذ هذا النمط منحى أكثر دموية وعنفاً، فمنذ انقلاب 17 يوليو 1968 كانت الأولوية لتطهير الساحة من المنافسين الأقوياء فوراً، ثم تصفية رموز الحزب والجيش مثل عبد الرزاق النايف وعبد الرحمن الداوود وعشرات بل مئات الضباط والسياسيين من أصحاب الرأي والمكانة والتاثير، ووصلت استراتيجية تثبيت الديكتاتورية إلى ذروتها في عام 1979 عندما أعلن صدام حسين عن "مؤامرة" مزعومة في قاعة الخلد، ممهداً لإعدام 22 من قيادات الصف الأول في الحزب، مع الإبقاء على الأعضاء الأكثر طواعية والذين لا يملكون ثقلاً حقيقياً. 

الشخصية القوية والمستقلة هي نقطة ضعف للنظام الحاكم، بينما الشخصية الهشة والقابلة للتحكم هي المفضلة لأنها مصدر قوة للنظام واستمراريته، ورغم التحول الكبير من الطغيان الى الديموقراطية إلا أن هذا النمط من السلوك السياسي لم يتغير في العراق، وإن كان بأدوات مختلفة كالمحاصصة الطائفية والتوافق الخارجي. 

إن تفضيل النخب الحاكمة للشخصيات "الوسطية" أو "مرشحي التسوية" ليس عشوائياً، بل هو استراتيجية حماية ذاتية تهدف إلى تثبيت التوازنات الحالية ومنع صعود أي زعيم يمتلك إرادة التغيير أو القدرة على تحدي الفساد والنفوذ الخارجي من أجل ضمان مصالح الأحزاب والأوليغارشية الحاكمة. والقائد الذي يمتلك القوة الذاتية أو الشعبية يُنظر إليه كـنقطة ضعف فيتم إقصاؤه، وفي المقابل، نجد قوة الضعف، حيث تكتسب الشخصية التوافقية الضعيفة سياسياً، قوة استثنائية من خلال حاجة النظام الحاكم إليها، ليُصبح ضعفها هو مصدر قوتها الاستمرارية، لأن جميع الفاعلين يطمئنون إلى هشاشتها وقابليتها للتصريف، وبالتالي لا تشكل تهديداً لأي طرف متنفذ. 

هذا يفسر بوضوح صعود شخصيات لم تصعد على أساس قوة انتخابية أو حزبية ذاتية، بل على قاعدة الحاجة إلى الضعيف المُتفق عليه. هو في الحقيقة جسر هش يطمئن جميع الأطراف إلى إمكانية هدمه أو عبوره حسب الحاجة. السلطة في هذا السياق تُبنى على هشاشة قادتها لا على صلابة إرادة شعبها، وهذه الهشاشة في القمة تترجم إلى ضعف في بناء المؤسسات، وتبخر في القرارات السيادية، واستدامة للفساد، لأن الأجندة العليا للضعيف الذي تم تنصيبه ليست خدمة الدولة، بل حماية مصادر قوته، أي استرضاء النخب التي أتت به الى السلطة. 

لكن هذه القاعدة التي تضمن مصالح الاوليغارشية الحاكمة ربما يكون اثرها عكسيا نتيجة خضوع الضعيف إلى معادلات خارجية تفرض عليه منطق يتضارب والمصلحة الوطنية، فالضعيف هو الذي يحتاج إلى قوة تبقيه في السلطة والقوي هو من يمتلك ارادته، وفي البلدان التي تخضع للتاثيرات الخارجية تكون المرونة السياسية هي الخيار الذي يتجاوز معادلات القوة والضعف وتبادل الأدوار بينهما، بمعنى أن تقوية المؤسسات ومنظومة القوانين هي الضامن الأكيد لقوة الدولة بعيدا عن ضعف وقوة الشخصيات التي تديرها.